أثناء مروري في منطقة الحمرا، لمحت على واجهة إحدى المكتبات كتاباً فيه صورة الأسير الشهيد وليد دقة، بعنوان" بائع التذاكر"، من إصدار دار الآداب العريقة، التي أخذت على عاتقها نشر الأدب الفلسطيني منذ سنوات طويلة.
لقد قرأت لـ" دقة" كتابين، " صهر الوعي" و" حكاية سر الزيت"، وهما كتابان ملهمان جداً، لكن عندما اقتنيت" بائع التذاكر"، لم أعلم أني سأخوض في سيرة ذاتية كالتالي: " بائع التذاكر- رياحين الشباب بين مفاصل صخر الدولة العبرية".
هي ليست سيرة ذاتية لأسير حكم بالسجن المؤبد والتهمة قتل وخطف جندي إسرائيلي، بل هي سيرة مناضل، ومثقف، وصاحب مسؤولية، وضمير حي وشفاف، وصاحب مسؤولية وطنية، من عائلة أضحت والدته" فريدة" بعد أسره مناضلة، وزوجته" سناء" مكافحة، وابنته ذات النطفة المهربة" ميلاد" أملاً جديداً.
في هذه الزنزانة التي قضى فيها الأسير الشهيد وليد دقة 38 عاماً، يصف نفسه وقد توالت عليه أجيال من الفلسطينيين، فحمل مسؤولية رعايتها وطنياً وتثقيفياً، وصولاً لتقديم التماسات للمحاكم الإسرائيلية نيابة عن رفاقه الأسرى: " ولدت في المحطة لأم لاجئة هربت من الحرب وأوصتني قبل موتها أن أعتني بكل المسافرين من دون تمييز بين الأعراق والألوان والأجناس، فأجدت العمل تطوعاً".
هي أحداث وقصص، ربما تبدو لنا مفاجئة، عاشها الأسير وليد ورفاقه، لكنها كانت صاعقة لهم، سأروي بعضاً منها بما تتيحه لي هذه السطور، وما بين دفتي السيرة الكثير من معاني الصمود والبطولة، بحيث تكتب عنها مجلدات.
بعد اتفاق أوسلو، أفرج الاحتلال عن العديد من الأسرى، نظر الأسير رشدي أبو مخ، رفيق أبو دقة في الزنزانة، من الشباك نحو الساحة فوجدها فارغة، " شو الصراع صفَّى علينا أنا وإياك"، ليتبين لاحقاً أنهم أسرى من الـ48، خارج أي اتفاقية للإفراج وقد تخلت عنهم السلطة الفلسطينية، " جوعكم جوعٌ لا طائل منه، قضيتكم الآن أصبحت مسؤولية أعضاء الكنيست العرب"، هذا ما أسرَّ به وزير الأسرى الفلسطيني لوليد دقة.
ويعلق الأسير دقة على هذه اللحظات: " من الصعب وصف الإهانة وحجم الألم الذي كنَّا نعيشه في مثل هذه اللحظات، ومع ذلك كان علينا أن نودِّع، وأن نفرح لرفاقنا المفرج عنهم، وفي الوقت ذاته أن نجنِّد الطاقات العقلية والأخلاقية والنفسية لمواجهة إفرازات هذه المرحلة لمواصلة نضالنا".
من الصعب وصف الإهانة وحجم الألم، ومع ذلك كان علينا أن نودع، وأن نفرح لرفاقنا المفرج عنهم، وفي الوقت ذاته أن نجند الطاقات العقلية والأخلاقية لمواصلة نضالناأما قصة الأسير المصري محمد السواركة، فتلك حكاية أخرى، وهو مناضل من المقاومة الشعبية في سيناء، وحكم بالمؤبد.
أثناء سعي الأسير دقة لتقديم التماس له، اكتشف أن هناك ستة قرارات بطرده إلى مصر، وتم نقله إلى معبر رفح للانتقال به إلى مصر، إلا أن المصريين رفضوا تسلمه بذريعة أنهم لا يعلمون بوجود أسير في" إسرائيل".
وبعدما تم التواصل مع أحد أعضاء الكنيست، الذي بدوره تواصل مع السفارة المصرية، جاء القنصل المصري لزيارته في السجن، وجلب لمواطن مصري أمضى عشرين عاماً في السجن أربع علب سجائر، وحذاء فردتاه شمال، فبكى الأسير سواركة: " هذه هي قيمتي عندهم"، واختفى القنصل فكانت الزيارة الأولى والأخيرة.
بعد إطلاق سراح الأسير سواركة بعامين، سافرت زوجة الأسير دقة إلى مصر، ووجدت في إحدى المكتبات في القاهرة كتاباً بعنوان" عودة البطل"، الذي روى بطولة الرئيس المصري حسني مبارك الذي" بذل جهوداً جبارة لإطلاق سراحه".
أما قصة ابنته" ميلاد" التي ولدت عبر النطف المهربة، فقد اقتيد فيها الأسير دقة إلى العزل الانفرادي.
فقد أتاه قائد المنطقة الشمالية في إدارة السجون مستفزاً، نظر إلى صورة" ميلاد" المعلقة، وقد صنع لها الأسير دقة إطاراً من ورق ولونه بألوان الكوفية، قال السجَّان: " جيِّد أن يحتفظ الإنسان بصورة حفيدته"، يعلق الأسير دقة: " كان هذا العنصري يعلم جيداً أنها ابنتي التي عزلتني إدارة سجونه لأنها جاءت إلى الدنيا، لقد أراد النيل من فرحي ومعنوياتي بهذه الملاحظة، والقول لي: لقد تقدم بك العمر في السجن، وهذه الطفلة يمكن أن تكون حفيدتك".
وعندما فشل في استفزازه، أرسل بدلاً منه ضابطاً ليطلب منه تسليم الصورة، فكان ردُّ الأسير دقة: " ها هي الصورة معلقة، فهي كل ما أملك الآن، قل للذي أرسلك أن يأتي هو لأخذها، ولن يأخذها إلا على جثتي"، احتفظ الأسير دقة بصورة ميلاد، وما عاد الضابط.
سافرت الروح عن جسد الأسير وليد دقة بعدما قضى 37 عاماً في السجن، وقد بقيت سنة من مدة محكوميته للإفراج عنه، " أعترف أنني ما عدت أتقن عملي، فلا أعدُّ التذاكر الصحيحة قبل أن ينطق المسافرون بكلمة، وإن نطقوا أسمعهم يردِّدون أسماء مدن وغايات غريبة.
أنا بائع التذاكر ما عدت أجيد قراءة لغة الجسد لأعرف غاية المسافرين".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك