في الأزمنة العادية تُقاس كفاءة الفاعلين السياسيين بقدرتهم على إدارة الوقائع، أما في الأزمنة الاستثنائية فتُقاس بقدرتهم على إدراك اتجاه التاريخ.
والسودان اليوم يعيش لحظة من هذا النوع؛ لحظة تتدفق فيها الأحداث بوتيرة متسارعة، وتتزاحم فيها الوقائع والتصريحات والمواقف إلى حد يكاد يجعل الحاضر يلتهم نفسه بنفسه.
غير أن المفارقة تكمن في أن وفرة الحدث لا تعني بالضرورة وفرة الرؤية، كما أن كثافة النقاش لا تعني بالضرورة عمق التفكير.
هذه المفارقة تفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل ينشغل الفاعلون في المشهد السوداني بصناعة المستقبل أم بملاحقة الترند؟يذهب عالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا إلى أن السمة الأبرز للعالم المعاصر ليست التغيير في حد ذاته، بل التسارع المستمر في وتيرة التغيير.
وفي ظل هذا التسارع يتحول الزمن من وعاء للتفكير إلى عامل ضغط دائم، فتتراجع القدرة على التأمل والتخطيط طويل المدى لصالح الاستجابة السريعة للمتغيرات المتلاحقة.
وما يبدو ظاهرة عالمية عامة يجد في الحالة السودانية تعبيراً أكثر حدة بفعل تداخل الحرب والسياسة والإعلام الرقمي في آن واحد.
لقد أنتجت الحرب فضاءً عاماً تحكمه سيولة غير مسبوقة للمعلومات والمواقف والتقديرات.
وكل يوم يحمل قضية جديدة، وسجالاً جديداً، واستقطاباً جديداً.
وبمرور الوقت نشأت حالة يمكن وصفها بـ”سيادة اللحظة”، حيث أصبحت قيمة الحدث مستمدة من حضوره الآني لا من أثره الاستراتيجي، وأصبحت الأولويات الوطنية تتشكل وفق إيقاع التداول الإعلامي أكثر مما تتشكل وفق متطلبات إعادة بناء الدولة.
في هذا السياق لم يعد الترند مجرد ظاهرة إعلامية، بل تحول إلى فاعل سياسي غير مرئي.
فهو يحدد ما يجب أن يُناقش، وما ينبغي تجاهله، وما يستحق الاهتمام، وما يُدفع إلى الهامش.
وبذلك انتقل جزء من المجال العام السوداني من منطق صناعة الأجندة الوطنية إلى منطق الاستجابة المستمرة للأجندة المتغيرة التي تفرضها اللحظة.
ولعل ما يستحق الانتباه أن هذه الظاهرة لا تخص تياراً بعينه، بل تكاد تشمل معظم الفاعلين السياسيين والإعلاميين والثقافيين.
فالكل يتحدث عن الأزمة، لكن القليل يتحدث عن شكل الدولة التي ينبغي أن تخرج من الأزمة.
والكل منشغل بتفسير الوقائع اليومية، لكن عدداً محدوداً فقط ينشغل بتصور المآلات التاريخية لهذه الوقائع.
وبين التفسير والتصور مسافة هي ذاتها المسافة بين إدارة الأزمة وبناء المستقبل.
إن أخطر ما يفعله الترند ليس أنه يستهلك الوقت، بل أنه يعيد تشكيل الوعي السياسي.
فهو يمنح الأفضلية للموقف السريع على حساب الفكرة العميقة، وللانفعال على حساب التحليل، ولرد الفعل على حساب المبادرة.
ومع مرور الزمن تتراجع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدولة والاقتصاد والهوية والعقد الاجتماعي، لتحل محلها معارك رمزية قصيرة العمر، تستهلك طاقة المجال العام دون أن تضيف إلى رصيده الاستراتيجي.
ومن هنا تبدو الأزمة السودانية في أحد أبعادها أزمة زمن سياسي.
فبينما تحتاج لحظات التحول التاريخي إلى تفكير طويل النفس، تعمل آليات التسارع الاجتماعي على اختزال الزمن الوطني في سلسلة متصلة من الوقائع العاجلة.
وحين يحدث ذلك تصبح النخب أكثر قدرة على توصيف الأزمة من قدرتها على تجاوزها، وأكثر مهارة في إدارة الانقسام من مهارتها في بناء التوافق.
وليس من قبيل المصادفة أن تكثر في الفترات الانتقالية السرديات المتنافسة حول الماضي والحاضر، بينما يقل النقاش حول المستقبل.
فالماضي يمنح الشرعية، والحاضر يمنح التأثير، أما المستقبل فيتطلب رؤية.
والرؤية هي المورد الأكثر ندرة في المجتمعات التي تعيش تحت ضغط الأزمات الممتدة.
لقد علمتنا تجارب الأمم أن الحروب لا تصنع التحولات الكبرى بذاتها، وإنما تصنعها الأفكار التي تتولد حول كيفية الخروج من الحروب.
فالدول التي نجحت في إعادة بناء نفسها لم تكن تلك التي امتلكت موارد أكثر، بل تلك التي امتلكت خيالاً سياسياً أوسع.
ولذلك فإن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بمآلات الصراع الراهن، وإنما بقدرة الفاعلين فيه على الانتقال من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال: كيف تُبنى الدولة؟ ومن سؤال: من ينتصر اليوم؟ إلى سؤال: ماذا يبقى غداً؟إن السودان لا يواجه نقصاً في الأحداث، بل فائضاً فيها.
ولا يعاني من قلة الأصوات، بل من ندرة الرؤى.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الفاعلين في هذه المرحلة لا يتمثل في اللحاق بالترند، وإنما في التحرر من سلطته.
فالأمم لا تنهض عندما تصبح أكثر انشغالاً بالحاضر، وإنما عندما تنجح في تحويل الحاضر إلى جسر نحو المستقبل.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الحاسم في المشهد السوداني هو من يملك النفوذ الأكبر أو المنصة الأعلى صوتاً، بل من يملك القدرة على التفكير خارج إكراهات اللحظة.
فبين إغواء الترند ونداء المستقبل تتحدد اليوم ملامح السودان القادم؛ إما دولة تستمر في الدوران داخل أزمتها، أو دولة تنجح في تحويل أزمتها إلى لحظة تأسيس تاريخي جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك