قيل قديمًا إن قيمة الإنسان تُقاس بموقفه من الضعيف لا من القوي؛ فالحضارات الحقيقية لا تُبنى على ما تشيده من مبانٍ شاهقة أو ما تملكه من ثروات، بل على ما تصونه من كرامة لأكثر أبنائها هشاشة وضعفًا.
وما من ضعف أشد قسوة من إنسان هزمه الإدمان أو أثقلته معاناة المرض النفسي، حتى أصبح عاجزًا عن الدفاع عن نفسه في مواجهة من يستغل ألمه أو يتربح من معاناته.
في زاوية معتمة من مدينة تضج بالحياة، يُنقل مريض أنهكه الإدمان إلى مكان مجهول لا يحمل لافتة قانونية ولا يخضع لرقابة طبية حقيقية.
تُغلق الأبواب خلفه، ويُقال لأسرته إن الشفاء يبدأ من هنا.
لكن الواقع يكشف أن بعض هذه الأماكن لا تقدم علاجًا ولا تأهيلًا، بل تمارس نشاطًا قائمًا على استغلال يأس الأسر وخوفها من الفضيحة الاجتماعية، لتتحول معاناة المرضى إلى سلعة تدر الأرباح على حساب الكرامة الإنسانية.
وتشير تقارير وجهود رقابية متواصلة إلى انتشار عدد من المنشآت غير المرخصة التي تعمل خارج المنظومة الصحية الرسمية، مستغلة حاجة الأسر إلى العلاج السريع أو السري، في ظل غياب الوعي الكافي لدى البعض بسبل العلاج الآمنة والمعتمدة.
في هذه الأماكن قد يُحرم المريض من الرعاية الطبية المتخصصة، وقد يُعامل باعتباره عبئًا يجب إخفاؤه لا إنسانًا يحتاج إلى علاج وتأهيل ودعم نفسي واجتماعي حقيقي.
يبقى السؤال الأهم: لماذا تستمر هذه المنشآت في العمل رغم المخاطر التي تمثلها؟الإجابة تكمن في الوصمة الاجتماعية التي لا تزال تحيط بالمرض النفسي والإدمان في كثير من المجتمعات.
فبعض الأسر تخشى الاعتراف بأن أحد أفرادها يواجه مشكلة إدمان أو اضطرابًا نفسيًا، فتبحث عن حلول بعيدة عن أعين الناس، حتى لو كانت هذه الحلول غير آمنة أو غير قانونية.
كما أن انتشار بعض المفاهيم الخاطئة يدفع البعض إلى اللجوء إلى الدجالين أو المشعوذين أو المراكز الوهمية التي تعد بالشفاء السريع دون أي أسس علمية أو طبية.
إن المريض النفسي أو مريض الإدمان ليس موضع إدانة أو وصمة، بل إنسان يحتاج إلى الرعاية والحماية والاحتواء.
وعندما يصمت المجتمع عن الانتهاكات التي يتعرض لها هؤلاء المرضى، فإنه يساهم – بشكل أو بآخر – في استمرار هذه الممارسات.
مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بتطبيق القانون بكل حزم على كل من يدير منشأة علاجية دون ترخيص، مع استمرار الحملات الرقابية والتفتيشية لرصد المخالفات وإغلاق المنشآت غير القانونية التي تعرض حياة المرضى للخطر.
لا بد من توجيه المرضى وأسرهم نحو المؤسسات العلاجية المعتمدة التي تقدم خدماتها وفق المعايير الطبية المعترف بها، مع تعزيز دور الخطوط الساخنة ومراكز الدعم النفسي وعلاج الإدمان التي توفر خدمات متخصصة وآمنة وسرية.
كما أن التوسع في خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان داخل المستشفيات الحكومية والجامعية يمثل خطوة أساسية لضمان وصول الخدمة العلاجية إلى جميع المواطنين.
تبقى المعركة الأهم هي معركة الوعي.
فكلما تراجعت الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي والإدمان، تراجعت معها فرص استغلال المرضى وأسرهم.
علينا أن ندرك أن طلب العلاج ليس عيبًا، وأن المريض لا يحتاج إلى الإخفاء أو العقاب، بل إلى فرصة حقيقية للتعافي والعودة إلى حياته بصورة طبيعية ومنتجة.
الصحة النفسية ليست قضية فردية تخص المريض وحده، بل هي قضية مجتمع بأكمله.
وحماية مرضى الإدمان والاضطرابات النفسية من الاستغلال مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات الصحية والإعلام والمجتمع.
فحين تتحول معاناة الإنسان إلى تجارة، يصبح الدفاع عن كرامته واجبًا لا يقبل التأجيل وحين يجد المريض طريقًا آمنًا للعلاج، تتراجع مساحة الوهم، وتسقط أسواق المتاجرة بالألم، وينتصر المجتمع لقيمته الأهم الإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك