جاء في عاطر التوجيهات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ خلال ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء الموقَّر بتاريخ الـ(15) من يونيو 2026م، ما نَصُّه: «.
وفي ضوء الانتشار السريع لوسائل التواصل الرقميَّة واستخدامها من قبل شريحة واسعة من الأطفال، وجَّه جلالته ـ أبقاه الله ـ الجهات المعنيَّة بتقييم الموضوع من جوانبه المختلفة وتشخيصه، وإعداد الضوابط والآليَّات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لتلك الوسائل، بما يساعد الأُسر في إرشاد أبنائها والتحكم في كيفيَّة الاستخدام الأمثل لها، وذلك بالاستفادة من التجارب الدوليَّة الرائدة في هذا المجال»؛ لتُمثِّل خريطة وطنيَّة متكاملة في إدارة التقنيَّة وحوكمتها وتوظيفها لصالح الإنسان، وحماية الطفولة من الاستخدام غير الآمن والسلبي لها، وفق مرتكزات قائمة على تقييم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الرقميَّة، وتشخيص الموضوع من جوانبه المختلفة، وإعداد الضوابط والآليَّات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لهذه الوسائل، والاستفادة من التجارب الدوليَّة الرائدة في هذا المجال.
وبالتالي، تعكس التوجيهات السَّامية استشرافًا استراتيجيًّا عميقًا للمستقبل، وفق قراءة لمعطيات الواقع، بما يضع الطفولة العُمانيَّة في معادلة القوَّة، وجوهر الاهتمام الوطني، لتُشكِّل قيمة مضافة، ليس فقط في معالجتها لهذه الظاهرة المُجتمعيَّة الآخذة في الاتساع، وإنما أيضًا فيما تحمله من رسائل وطنيَّة عميقة تؤسس لمرحلة جديدة من العمل المؤسَّسي المتكامل في التعامل مع مخاطر التقنيَّة والمنصَّات الرقميَّة وآثارها على الأطفال والمراهقين دون سن الثامنة عشرة.
ومع الاعتراف بأن التقنيَّة أصبحت جزءًا أصيلًا من حياة الإنسان المعاصر، فإن الرهان اليوم على توجيهها لصالحه يعتمد على مستوى التمكن الرقمي لديه، والرصيد القيمي والأخلاقي المعزز للمهارة في استخدام التقنيَّة وتعظيم أثرها الإيجابي، وبناء الوعي، وترقية حسِّ المسؤوليَّة، ورُقيّ ذوق التعامل، وتعزيز القدرة على الاختيار الرشيد؛ ذلك أن العالم الرقمي المفتوح تجاوز حدود الرقابة التقليديَّة والجغرافيا، ليدخل إلى كل بيت دون استئذان، ولم تَعُدْ فرضيَّة الحجب الكامل لكثير من المواقع والمنصَّات والتطبيقات والألعاب «السهل الممتنع»، في ظل التطور المتسارع، وتعدد وسائل وأدوات الوصول، والتحايل على القيود التقنيَّة عبر انتشار برامج فك الحجب.
لقد أوجدت التقنيَّة للأطفال والمراهقين الشباب عالمًا مفتوحًا يتجاوز حدود المكان والزمان؛ حيث أصبح الطفل يتلقى معارفه وصوره الذهنيَّة ومفاهيمه وقيمه من مصادر متعددة ومتباينة، قد ينسجم بعضها مع منظومة المُجتمع وقيمه، بينما يتعارض بعضها الآخر مع خصوصيَّته الثقافيَّة وأخلاقيَّاته وهُويَّته الوطنيَّة.
ومع اتساع حضور المواقع والمنصَّات الرقميَّة والألعاب الإلكترونيَّة وتطبيقات الهواتف الذكيَّة وخوارزميَّات الذكاء الاصطناعي في حياة الأطفال والمراهقين، برزت تحدِّيات جديدة تتعلق بسلامتهم النفسيَّة والفكريَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة.
وأصبح من الضروري، في ظل ما أظهرته المعطيات والإحصاءات والمؤشرات الوطنيَّة من ارتفاع عدد الجرائم الواقعة على الأطفال في السنوات الأخيرة، واتساع حضور مُجتمع الطفولة والمراهقين الشباب في المواقع والمنصَّات الرقميَّة، واستخدامهم للألعاب الإلكترونيَّة وتطبيقات الهواتف الذكيَّة وتقنيَّات الذكاء الاصطناعي، إدراك أن دائرة التحدِّيات والظواهر السلبيَّة المرتبطة بسلامهم الداخلي والنفسي والفكري والأخلاقي والاجتماعي قد اتسعت، إلى جانب بروز ظواهر سلوكيَّة أخرى تتعلق بالتنمر بين الطلبة، والاحتيال الإلكتروني، والابتزاز الرقمي، والإدمان التقني، والعزلة الاجتماعيَّة، وضعف الحوار الأسري، وزيادة الحساسيَّة والهشاشة الاجتماعيَّة والفكريَّة في تقبُّل الآخر، وتراجع مساحات التواصل الإنساني المباشر.
ومن هنا، أصبح من الضروري الانتقال من مرحلة توصيف الظاهرة إلى مرحلة بناء مشروع وطني متكامل للتعامل معها، يضمن كفاءة الأدوات، وتنوع البرامج، واتساع مساحة المسؤوليَّة، وكفاءة الآليَّات، وصناعة الأثر، وإنتاج الحلول الحكيمة والسيناريوهات البديلة، والانتقال من منطق ردود الأفعال إلى صناعة البدائل، ومن ثقافة التخويف إلى ثقافة التمكين، ومن الاكتفاء بتحميل الأسرة وحدها المسؤوليَّة إلى بناء شراكة وطنيَّة متكاملة يتقاسم فيها الجميع المسؤوليَّة، وتستشعر فيها القطاعات التعليميَّة والإعلاميَّة والثقافيَّة والتشريعيَّة والتقنيَّة والأمنيَّة مسؤوليَّة حماية الطفل العُماني في البيئة الرقميَّة، وتنظيم وضبط استخدامه للمنصَّات التواصليَّة.
فلم يَعُد حجب المواقع الإلكترونيَّة والألعاب وغيرها من منتجات التقنيَّة، وعزل الأطفال والمراهقين عنها، هو الحل الناجع لحمايتهم من مخاطرها، بل إن الحل يكمن في إعادة تأهيلهم وتمكينهم، وتعزيز الثقافة النقديَّة والاختيار الواعي لديهم، بما يضمن حسن استخدامها وسلامة توظيفها، وتحصينهم من مخاطرها.
وهي معادلة دقيقة تحتاج إلى عمل وطني موحد قائم على التكامليَّة والشفافيَّة ووضوح مسارات العمل؛ بحيث يتجه التفكير الجمعي اليوم، في ظل التوقعات بارتفاع مخاطرها، إلى تعظيم القيمة المضافة للتقنيَّة في بناء شخصيَّة الإنسان السوي القادر على تعظيم أثرها الإيجابي في حياته وفي محيطه الاجتماعي.
وعليه، تفتح التوجيهات السَّامية المجال أمام مسارات وطنيَّة واعدة، وخيارات نوعيَّة تضع منظومات الدولة وأجهزتها ومؤسَّساتها أمام تنوع في المحتوى، وثراء في الأدوات، وتكامل في الأساليب والوسائل، وتجريب لسيناريوهات عمل بديلة، لتقدم جميعها معالجات وقائيَّة وإثرائيَّة وتطويريَّة واستباقيَّة، ومنهجيَّات تأطيريَّة تضمن كفاءة مؤشرات التحقق، في ظل فلسفة التكامل والتناغم ووحدة الهدف وجاهزيَّة الأدوات وأولويَّة التغيير الداخلي في حياة الأسرة والمُجتمع على بناء استراتيجيَّة وطنيَّة للأمان الرقمي للطفل، تتكامل فيها الأدوار وتتوحد فيها الجهود، وتعزز فيها بناء الثقافة الرقميَّة الأسريَّة، وتمكين الآباء والأُمَّهات من أدوات الفهم والمتابعة والإرشاد، وإدماج مفاهيم الأمان الرقمي في مفردات التعامل اليوميَّة الأسريَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وتطوير التشريعات والسياسات الكفيلة بحماية الأطفال من أشكال الاستغلال والإساءة والابتزاز الرقمي والتحرش، وتشجيع البحث العلمي ومراكز البحوث الاجتماعيَّة والنفسيَّة، وإيجاد مراكز متخصصة للرصد الاجتماعي تنتقل من مجرد الردود القصيرة عبر «مركز الاتصالات» إلى حوار نوعي ومساحات تواصليَّة تقدِّم صورة دقيقة عن واقع الأطفال والمراهقين في البيئة الرقميَّة العُمانيَّة، وتقف على حجم المعاناة وعقدة الخوف لدى الطفل من الكشف عن الحقيقة وإخفاء الواقعة.
كما يؤسس ذلك إلى توطين محتوى الطفل، عبر الاستثمار في صناعة البدائل الوطنيَّة الجاذبة للأطفال والمراهقين الشباب، سواء من خلال إنتاج محتوى رقمي هادف، أو تصميم ألعاب إلكترونيَّة تعليميَّة وترفيهيَّة تعكس القيم العُمانيَّة الأصيلة، وترسِّخ السَّمْت العُماني كقيمة جوهريَّة في الممارسة المُجتمعيَّة، وتستوعب اهتمامات النشء وتطلُّعاتهم، وتوفِّر لهم بيئات رقميَّة أكثر أمانًا واتزانًا وانسجامًا مع الهُويَّة الوطنيَّة، وبناء ميثاق أخلاقي معزز بمحتوى رقمي للطفولة، وتنشيط حركة الإبداع الفكري والإنتاج المعرفي الرقمي على المستوى الوطني والخليجي والعربي والإسلامي، في سبيل إنتاج محتوى إلكتروني يحافظ على الثوابت والخصوصيَّة المُجتمعيَّة؛ الأمر الذي من شأنه أن يسهم في توفير الحلول والبدائل والخيارات القادرة على صناعة شخصيَّة الطفل المؤطرة بقواعد السلوك الرشيد والعقوبات النافذة.
وعندها يصبح الاحتواء البرامجي للأطفال والوازع الذاتي لدى المراهقين الشباب السبيل إلى التقليل من اتساع مخاطر التقنيَّة، والضامن لتوفير أدوات للكشف عن السلوك غير المنضبط الناتج عن الانخراط غير الواعي في هذه المواقع.
إن التوجيهات السَّامية لجلالة السُّلطان المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ تُمثِّل بذلك نهجًا وطنيًّا حكيمًا، ومسارًا تنمويًّا متكاملًا في إدارة قضايا الطفولة والتقنيَّة، وترسيخ دعائم رؤية متوازنة تقوم على التكامل المؤسَّسي، والاحتواء الأسري، وتعظيم مسارات الضبط الاجتماعي في إطار القانون، وتقاسم المسؤوليَّة، والابتكار، والاستدامة، من خلال بناء أدوات واضحة، واستراتيجيَّات أداء محكمة، وآليَّات عمل مقننة، ومسار وطني محدد ببرامج ومؤشرات للرصد والتقييم والمتابعة.
أخيرًا، كيف يمكن إيجاد حراك مُجتمعي واسع يشارك فيه الأطفال والمراهقون والشباب، ومؤسَّسات التعليم، ومؤسَّسات المُجتمع المدني، ومنظومات الرعاية الأسريَّة، والقضاء والقانون، والحقوقيون والمحامون وغيرهم، في تشخيص واقع تعامل الأطفال والمراهقين الشباب مع التقنيَّة والمنصَّات والألعاب الإلكترونيَّة واستخدامهم لها، وتمكينهم من تَبنِّي موقف موحَّد، ورقابة ذاتيَّة، وتعامل مسؤول وواعٍ مع هذه المخاطر المتربصة بهم؟إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي العمل على تمكين الطفل والمراهق فكريًّا ونفسيًّا وتعليميًّا من الثبات في وجه التغيير، وامتلاك روح التجديد والتحصين، وتوفير الجرعات التوعويَّة والقيميَّة والأخلاقيَّة والمهنيَّة اللازمة لبناء سياج حصين وفكر رصين، يشخص الحالة، ويقف منها موقف الواعي بمخاطرها، المتمكن من إدارتها، والمحسن للتعامل معها، بأسلوب تجتمع فيه الرغبة في التغيير والفهم العميق لنتائج السلوك وتداعياته وبناء صورة جديدة ونمط حياتي متجدد قائم على الإعلاء من شأن القيم لبناء حياة الأمان والاستقرار والسلام.
وهو ما يؤكد الحاجة إلى إعادة التفكير في كيفيَّة استثمار المساحات التي تنتجها التقنيَّة لتجديد عهد التواصل وبناء محطات الالتقاء، وإفساح الطريق نحو البحث عن مشتركات الاهتمام والحُب والجَمال والثقة والأخوة والوالديَّة، بما يطبع حياة الأسرة بالبساطة، ويؤسِّس بين أفرادها أريحيَّة التواصل وفرص الحديث عن المشاهدات الحياتيَّة والمعطيات الواقعيَّة، ويعزز حضور القيم الإنسانيَّة في تفاصيل الحياة اليوميَّة فخرًا واعتزازًا بها وإيمانًا بقدرتها على صناعة التغيير وتحقيق جودة الحياة وتعظيم صناعة الأثر في واقع حياة الطفولة العُمانيَّة ومستقبلها المشرق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك