حين تُصقَل الإجابات بينما السؤال نفسه ينتظر المراجعةيتكرر في نقاشات التعليم سؤال يبدو منطقيًا للوهلة الأولى:ما أبرز التحديات التي تواجه التعليم في تبني الذكاء الاصطناعي؟وتأتي الإجابات المنطقية: التدريب، والتشريعات، والبنية التقنية.
لكنني كلما استمعت، وجدتني منشغلًا بالسؤال أكثر من الإجابات.
ماذا لو لم تكن المشكلة في الإجابات؟ ماذا لو كانت في السؤال نفسه؟ فالإجابة الخاطئة تقودنا إلى نتيجة خاطئة، أما السؤال الخاطئ فيقودنا إلى الاتجاه الخاطئ كله.
قد نتقن الإجابة ونبدع في التفاصيل، بينما نسير نحو المكان الخطأ.
عبر التاريخ، لم يكن التقدم مجرد اختراع أشياء جديدة.
كان غالبًا يجعل الأشياء تأتي إلى الإنسان بدلاً من أن يذهب إليها.
كان الناس يذهبون إلى الماء، فجاء إلى منازلهم.
ويذهبون إلى الطاقة، فجاءتهم الكهرباء.
ويذهبون إلى الأسواق والبنوك، فجاءت خدماتها إلى هواتفهم.
وينتظرون الصحيفة لأخبار الأمس، فصارت الأخبار تصل لحظة وقوعها.
ويذهبون إلى الطبيب، فبدأ يأتي عبر الشاشة.
وفي كل مرة تقترب الخدمة من الإنسان، تنخفض كلفتها، ويزداد انتشارها، ثم تتحول من ميزة إلى حق مكتسب.
واللافت أن المجتمعات لم تسأل عند كل تحول:لأنها أدركت أن الغاية ليست الوسيلة.
الغاية هي الماء والمعرفة والخدمة، أما الوسائل فتتراجع كلما ظهرت وسيلة أفضل.
وهذا يكشف قاعدة: الثابت لم يكن المؤسسات ولا الأدوات.
الثابت كان الإنسان.
فالمدرسة والصحيفة والبنك وُجدت من أجله، وكلما ظهرت وسيلة أفضل تكيفت المؤسسة أو اختفت، وبقي محورها.
واليوم وصل الدور إلى المعرفة نفسها.
فبعد أن كان يذهب إليها، صارت تأتيه: تشرح وتلخص وتترجم وتجيب، في لحظات.
كيف نتبنى الذكاء الاصطناعي في التعليم؟فيه افتراض خفي: أن التعليم بشكله الحالي هو الثابت، وأن الذكاء طارئ نضيفه إليه.
كيف نوصل الخدمات إلى البيوت ونبقي الناس يذهبون إلى مصادرها في الوقت نفسه؟ولهذا أخشى أننا نناقش الوسيلة ونظن أننا نناقش الغاية.
هل الثابت هو شكل التعليم؟ أم أهدافه؟ولعقود طويلة، كان نجاح الأنظمة يقاس بقدرتها على توحيد التجربة.
وكان ذلك منطقيًا في عصر كانت فيه الموارد محدودة والتخصيص مكلفًا.
أما اليوم فتنخفض تكلفة التخصيص يومًا بعد يوم، وتصبح القدرة على التكيف مع الفرد جزءًا من الخدمة نفسها.
وهنا يبرز أحد أكبر وعود الذكاء الاصطناعي:أن يتكيف التعليم مع الإنسان، بعد عقود كان فيها الإنسان يتكيف مع التعليم.
ومع هذا التحول، تجدر وقفة منصفة.
فليس كل ما ورثناه من التعليم وسيلة قابلة للاستبدال.
فالمعرفة جزء مما تقدمه المدرسة، وليست كل ما تقدمه.
ففيها يتعلم الإنسان كيف يتواصل مع الآخرين، ويعيش مع المختلفين عنه، ويتحمل المسؤولية، ويكسب الثقة، ويتعامل مع النجاح والإخفاق.
وهذه ليست وسائل إلى غاية أخرى، بل غايات إنسانية في ذاتها.
ولذلك فالسؤال ليس: ما الذي يمكن أن يؤديه الذكاء الاصطناعي؟بل: ما الذي لا ينبغي أن نفقده حين يؤديه؟فما كان وسيلة لإيصال المعرفة سيتكفل به الذكاء، وما كان جزءًا من بناء الإنسان تزداد قيمته كلما تكفل الذكاء بالباقي.
ولعل ما يزيد السؤال إلحاحًا أن المعرفة لم تعد العنصر النادر:إذا صارت الإجابة متاحة للجميع، صار النادر هو السؤال الجيد.
وإذا صارت المعلومة في متناول الجميع، صار النادر هو الحكم عليها وتمييز صحيحها من زائفها.
وإذا حلل الجميع، صار النادر أن ترى ما وراء التحليل، وتعرف ماذا تفعل به.
وإذا أنتج الجميع، صار النادر من يوثق به وسط الضجيج.
وإذا عرف الجميع ما ينبغي فعله، صار النادر من يملك القدرة على الفعل.
وهنا تتضح مهمة التعليم القادمة.
فلم تعد مهمته إيصال المعرفة، لأنها صارت تصل وحدها.
مهمته أن يصنع إنسانًا يحسن السؤال، ويميز الصحيح من الزائف، ويرى ما وراء المعلومة، ويحول معرفته إلى عمل، ويستحق الثقة.
ولو عدنا إلى ذلك السؤال، لتغير.
لم نعد نسأل: ما أبرز تحديات التعليم في تبني الذكاء الاصطناعي؟بل: ما الذي ينبغي أن يصبح عليه التعليم حين تصبح المعرفة متاحة لكل إنسان وفي كل وقت؟ففي كل تحول كبير يختلط علينا الثابت والمتغير، فنحمي الوسيلة ونظن أننا نحمي الغاية.
وربما لا يواجه التعليم اليوم تحدي الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يواجه تحدي السؤال الصحيح.
فحين تجيء الأشياء إلينا، يتغير كل شيء، إلا حاجتنا إلى إنسان يعرف ماذا يفعل بها.
هل نطور التعليم لخدمة الإنسان؟ أم نطور الإنسان لخدمة شكل من التعليم اعتدناه؟أما أنا، فأخشى أننا أمضينا وقتًا طويلًا نصقل الإجابة، بينما كان السؤال ينتظر المراجعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك