وكالة سبوتنيك - جامعة الدول العربية ترحب بتوقيع خارطة طريق لإنهاء المرحلة الانتقالية في ليبيا وكالة الأناضول - قائد جيش لبنان: علاقتنا بسوريا جيدة والتنسيق مستمر بشأن الحدود والأمن العربية نت - تأهباً لموجة حر جديدة.. إنذار أحمر في 35 مقاطعة فرنسية CNN بالعربية - القيادة المركزية الأمريكية: إيران لا تسيطر على مضيق هرمز الجزيرة نت - أوروبا تتنفس لهبا.. استنفار في فرنسا وتحذيرات من عواصف رعدية بألمانيا CNN بالعربية - وفاة جيمس بوروز الذي ساهم في رسم ملامح شخصيات مسلسل "فريندز" وكالة الأناضول - امتحانات بين الركام.. غزة تختبر "التوجيهي" عبر الشاشات والخيام العربية نت - ضجيج "بيوت الدعارة" يزعج منتخب إيران قبل مواجهة بلجيكا BBC عربي - روبن هود لم يكن بطلاً: الأصول العنيفة والمظلمة للأسطورة الشهيرة وكالة سبوتنيك - مجلس الأمن الدولي يطالب "الدعم السريع" بوقف هجومها على مدينة الأبيض السودانية
عامة

القطبة المخفية: كيف تحولت الحرب والمفاوضات النووية إلى مشروع لإعادة دمج إيران وإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟

 خبرني
خبرني منذ 1 ساعة
2

يكشف النص الرسمي الموقَّع لمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية أن كثيراً من القراءات ما زالت تدور حول العنوان الظاهر للصراع وتغفل جوهره الحقيقي. الملف النووي احتل واجهة المشهد طوال العقدين الماضيين، ولم...

يكشف النص الرسمي الموقَّع لمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية أن كثيراً من القراءات ما زالت تدور حول العنوان الظاهر للصراع وتغفل جوهره الحقيقي.

الملف النووي احتل واجهة المشهد طوال العقدين الماضيين، ولم يكن مجرد عنوان فارغ: المخاوف الإقليمية من انتشار نووي أثرت في مسار الأزمة بقوة.

لكن هذا البعد الأمني، على حقيقته، لم يكفِ لتفسير عمر الصراع وامتداده وحجمه، إذ دار الصراع في جوهره حول مستقبل الإقليم وموقعه داخل النظام الدولي الذي يتجه تدريجياً نحو التعددية القطبية، وحول موازين القوة التي ستحكم الشرق الأوسط في مرحلة الانتقال من الهيمنة الأمريكية الأحادية إلى نظام دولي أكثر تعقيداً وتنافساً.

من هنا، كان الخلاف بين واشنطن وطهران صراعاً بين رؤيتين لموقع إيران ولدور الإقليم نفسه في النظام الدولي الجديد، أكثر مما كان نزاعاً حول برنامج نووي بعينه.

البرنامج النووي كان أحد تجليات هذا الصراع وأحد أدواته السياسية والإعلامية، لكنه لم يكن القضية التي دارت حولها كل تلك الحروب والعقوبات والتحالفات وإعادة التموضع الاستراتيجي.

خلف الملف النووي كانت تجري مواجهة أكثر تعقيداً بين استراتيجية أمريكية عملت على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يضمن استمرار التفوق الأمريكي وهيمنته على الممرات الحيوية ومصادر الطاقة وشبكات التحالف، واستراتيجية إيرانية سعت إلى تثبيت نفسها قوة إقليمية مستقلة قادرة على التأثير في معادلات المنطقة ورفض الاندماج الكامل بالشروط التي أرادتها واشنطن.

لهذا لم تكن العقوبات هدفاً بحد ذاتها، ولا الحروب غاية بحد ذاتها، ولا حتى الملف النووي سوى أحد عناوين صراع أكبر على مستقبل الإقليم.

أربعة عقود من المواجهة أعادت تشكيل الشرق الأوسط بصورة عميقة.

العراق الذي كان أحد أهم ميادين الصراع الأمريكي الإيراني يتحرك اليوم نحو مسار يقوم على احتكار الدولة للسلاح، رغم أن الفصائل الأكثر ارتباطاً بطهران ما زالت ترفض تسليم سلاحها وتصفه بـ “المقدس".

ولا يمكن فهم التوافق السياسي الأخير على رئيس حكومة عراقي حملت مهمته الأولى عنواناً واضحاً هو نزع سلاح الميليشيات بمعزل عن المسار التفاوضي الأمريكي الإيراني نفسه، فمن الصعب تصديق أن توقيت هذا التوافق محض صدفة.

أما سوريا فقد شهدت تحولاً استراتيجياً أخرجها عملياً من الموقع الذي شغلته لعقود داخل المحور الإيراني.

خرائط النفوذ والتحالفات تغيرت، وموازين القوى الإقليمية أعيدت صياغة أجزاء واسعة منها.

ومع ذلك بقيت الدولة الإيرانية قائمة، وفشلت الحرب الأخيرة في إسقاط النظام أو فرض التغيير بالقوة.

أما النفوذ الإيراني، فتحوّل مركز النقاش حوله من مبدأ وجوده إلى حجمه ووظيفته وحدود حركته داخل النظام الإقليمي الجديد الذي يتبلور اليوم.

من هذه الزاوية، ما يجري أقرب إلى انتقال واشنطن إلى مرحلة جديدة من مشروعها الإقليمي منه إلى تراجع عنه.

فبعد سنوات طويلة من إعادة هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران وإعادة توزيع مراكز القوة والنفوذ داخل الإقليم، بات السؤال الأمريكي أقل ارتباطاً بكيفية إسقاط إيران وأكثر ارتباطاً بكيفية دمجها داخل منظومة إقليمية أعيد تشكيل جزء كبير من قواعدها خلال العقود الماضية.

تبدو مذكرة التفاهم أبعد كثيراً من كونها اتفاقاً يتعلق بالنووي أو بالعقوبات؛ إذ تكشف بنودها أننا أمام بداية تفاهمات كبرى على الإقليم الجديد، وعلى موقع إيران داخله، وعلى قواعد التوازن التي ستحكم الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.

تكفي قراءة بنودها لفهم طبيعة التحول الجاري.

فوقف الحرب يحضر في مقدمة البنود، وتأتي حرية الملاحة وإعادة فتح الممرات البحرية في مرتبة متقدمة، فيما تحتل العقوبات والاقتصاد وإعادة دمج إيران في الأسواق العالمية مساحة واسعة من التفاهمات.

أما النووي فيظهر لاحقاً باعتباره أحد الملفات التي ستناقش خلال المرحلة التالية من المفاوضات.

التصريحات الإيرانية الأخيرة أكدت أن التفاوض بعد التوقيع سينصب على العقوبات والمواد المخصبة والملف النووي خلال فترة الستين يوماً اللاحقة، فيما جرى تثبيت وقف الحرب وإعادة الملاحة وبدء معالجة الملفات الاقتصادية منذ اللحظة الأولى.

بكلمات أخرى، ما كان يُقدَّم طوال سنوات باعتباره جوهر الأزمة أصبح اليوم جزءاً من ترتيبات ما بعد الاتفاق.

فالتحول الجاري يمس أولويات الجمهورية الإسلامية أكثر مما يمس هويتها.

فبعد عقود كانت فيها اعتبارات الصراع والأمن والردع في صدارة المشهد، تفرض متطلبات الاقتصاد والتنمية وإعادة التأهيل والانفتاح على الأسواق العالمية نفسها بوصفها عناصر حاكمة في رسم السياسات المقبلة.

لهذا تبدو المذكرة أقرب إلى مشروع إعادة تأهيل لدولة إقليمية كبرى منها إلى مجرد تفاهم لوقف الحرب.

فرفع الحصار البحري، والإفراج عن الأموال المجمدة، وإعادة دمج النفط الإيراني في الأسواق العالمية، وإعادة ربط النظام المصرفي الإيراني بالاقتصاد الدولي، والحديث عن استثمارات وتمويلات بمئات المليارات، ثم الوصول إلى قرار ملزم من مجلس الأمن؛ جميعها خطوات تنتمي إلى عملية طويلة المدى تتجاوز فكرة التهدئة المؤقتة.

الرقم الأكثر أهمية في هذا السياق ليس بنداً عسكرياً أو نووياً.

إنه الحديث عن تمويلات واستثمارات تصل إلى 300 مليار دولار.

فالقيمة الحقيقية لهذا الرقم تتجاوز مصدر الأموال إلى دلالته السياسية.

فالدول لا تخطط لضخ مئات المليارات في دولة تتوقع انهيارها، ولا تستعد المؤسسات المالية للعودة إلى سوق تعتقد أن أبوابه ستغلق مجدداً بعد أشهر.

يبدو الرقم أقرب إلى شهادة ثقة سياسية بمستقبل إيران منه إلى مجرد مشروع اقتصادي.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بعد تصريحات ترامب الأخيرة التي ربط فيها الوصول إلى هذه الأموال بسلوك إيران خلال المرحلة المقبلة.

فالمقصود هنا أداة لإدارة التحول الإيراني وإعادة توجيه أولويات الدولة نحو الاقتصاد والاستقرار والتنمية، لا منحة مجانية لطهران.

ترامب نفسه سوّق الاتفاق بوصفه اتفاقاً يعيد فتح هرمز، ويعيد الأموال الإيرانية، ويضمن حرية الملاحة، ويفتح الباب أمام عودة إيران إلى الاقتصاد العالمي، أكثر مما سوّقه إنجازاً نووياً.

وهي عناوين تكشف بدورها أن مركز الثقل في التفاهمات الجارية بات يتجاوز الملف النووي إلى إعادة ترتيب البيئة الاقتصادية والجيوسياسية المحيطة بإيران.

ضمن هذا التحول يبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أهم مفاتيح فهم المرحلة المقبلة.

المضيق الذي ارتبط بتهديدات الإغلاق يتجه اليوم نحو نموذج مختلف: الإدارة وتطوير الخدمات بدل التهديد بالإغلاق.

هذا تحول عميق في وظيفة الجغرافيا الإيرانية نفسها، تكشفه تصريحات الخارجية الإيرانية بشأن التعاون مع سلطنة عمان في إدارة المضيق وتقديم الخدمات للسفن.

القيمة الاستراتيجية للممرات البحرية في القرن الحادي والعشرين ترتبط اليوم بالقدرة على إدارتها والتحكم بالخدمات المرتبطة بها، أكثر من ارتباطها بالقدرة على إغلاقها فقط.

وهنا يجب التمييز بدقة بين نموذجين.

رسم العبور المباشر قوبل برفض أمريكي ودولي واضح، باعتباره مخالفاً لحرية الملاحة المنصوص عليها في القانون البحري الدولي.

أما" بدل الخدمات الملاحية" الذي تتفاهم عليه طهران مع مسقط فهو نموذج أكثر قابلية للتسويق دولياً، ولم يُحسم موقف واشنطن النهائي منه بعد.

وإذا نجح هذا النموذج الثاني واستمر، فقد تجد واشنطن المنخرطة في منافسة استراتيجية طويلة مع الصين أن لا مصلحة لها في الاعتراض على ترتيبات ترفع كلفة النقل والطاقة على منافسيها، طالما بقيت حرية الملاحة مضمونة واستمر تدفق التجارة العالمية دون انقطاع.

إيران الجديدة تسعى إلى تعظيم العائد الاقتصادي والجيوسياسي من موقعها الجغرافي عبر إدارة الممر وتطوير الخدمات المرتبطة به، أكثر مما تسعى إلى تعطيل حركة التجارة العالمية كما حدث في مرحلة الحرب.

عندها يلتقي منطق الجغرافيا الإيرانية مع منطق الصراع الأمريكي الصيني، حتى لو لم تتضح بعد كل تفاصيل هذا التقاطع.

سنوات طويلة أمضاها نتنياهو وهو يكرر أن إيران تمثل الخطر المركزي الذي يسبق كل الأخطار الأخرى، وكان خطابه السياسي مؤخرا يتكرر حول مضمون واحد: امنحوني الوقت الكافي لإنهاء المهمة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا لو كانت نهاية المهمة وصولاً بإيران إلى نقطة تقبل عندها الاندماج داخل نظام إقليمي جديد، لا إسقاطها؟عندها يصبح نتنياهو أمام مفارقة تاريخية.

فالحرب التي قدمها باعتبارها طريقاً لتصفية التهديد الإيراني تنتهي بمفاوضات تتحدث عن إعادة دمج إيران وتأهيلها اقتصادياً وسياسياً، بينما تبدأ الضغوط بالانتقال تدريجياً نحو إسرائيل نفسها.

ردود الفعل الإسرائيلية الأخيرة تعكس شيئاً من هذا القلق.

الحديث عن" هزيمة استراتيجية"، والاعتراض على الانسحاب من جنوب لبنان، والتلميح إلى تراجع القدرة على التأثير في القرار الأمريكي، كلها مؤشرات على شعور متزايد داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن البيئة الاستراتيجية التي عملت ضمنها طوال السنوات الماضية بدأت تتغير.

لبنان ليس تفصيلاً في هذا التحول.

فربط وقف الحرب على الجبهة اللبنانية بمسار التفاوض الأمريكي الإيراني يكشف أن إعادة ترتيب الإقليم تشمل ملفات ظلت معلقة لعقود، تتجاوز طهران وحدها.

إعادة دمج إيران تعني إغلاق أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيداً، وتعني في الوقت نفسه تراجع القدرة على استخدام الملف الإيراني لتأجيل ملفات أخرى.

تعود إلى الواجهة ملفات جرى تأجيلها سنوات طويلة، من فلسطين إلى غزة والضفة الغربية، ومن الاستيطان إلى الأراضي العربية التي ما تزال إسرائيل تتمسك بها تحت ذرائع أمنية مختلفة.

كلها ملفات ستعود تدريجياً إلى مركز المشهد كلما تراجع الملف الإيراني من موقع الخطر الوجودي إلى موقع الملف الخاضع للتسوية.

أما التحدي الذي يواجه العرب فيتعلق بإيران وبإسرائيل معاً.

فالعالم العربي وإيران وتركيا تمثل مجتمعة الكتل التاريخية والجغرافية والديموغرافية الكبرى في الشرق الأوسط.

أما إسرائيل، فرغم تفوقها العسكري والتكنولوجي والدعم الغربي الذي حظيت به لعقود، فتبقى كياناً أصغر من أن يقود إقليماً بهذا الحجم أو أن يحتكر تعريف مصالحه ومستقبله.

ولهذا فإن إعادة دمج إيران داخل التوازنات الإقليمية تعني إعادة تأهيل قوة إقليمية كبرى، وتعني اقتراب المنطقة من مرحلة تعود فيها الأسئلة المؤجلة إلى الواجهة: أي شرق أوسط يجري بناؤه؟ ومن يملك حق تحديد قواعده؟ وما الموقع الذي ستشغله إسرائيل داخله بعد أن استنفدت إلى حد بعيد وظيفة" الخطر الإيراني" التي استفادت منها طوال سنوات؟ربما يكون من المبكر الجزم بأن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة جديدة، لكن من الصعب تجاهل المسار الذي ترسمه الوقائع.

فالحرب التي قيل إنها اندلعت لكبح إيران تنتهي بحديث عن إعادة دمجها.

والملف النووي الذي احتل واجهة المشهد لعقود يتراجع إلى الخلفية بينما تتقدم ملفات الملاحة والاقتصاد وإعادة التأهيل.

وإسرائيل التي قدمت نفسها طويلاً باعتبارها رأس الحربة في مواجهة إيران تجد نفسها أمام استحقاقات سياسية وأمنية مؤجلة.

أما القطبة المخفية، فتتعلق بالتفاهم على إيران الدولة بعد عقود من الصراع مع إيران الثورة، أكثر مما تتعلق بالنووي.

وما يجري اليوم قد لا يكون نهاية أزمة؛ يبدو أقرب إلى بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها المنطقة من الصراع على وجود إيران إلى التفاوض على دورها، ومن إدارة الفوضى إلى إعادة توزيع الأوزان والأدوار بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط.

وحين تستقر هذه المعادلة بين العرب وإيران وتركيا، سيصبح السؤال الأصعب مطروحاً على إسرائيل نفسها: كيف ستتعايش مع إقليم لم يعد يدور حولها، ولم يعد يقبل أن تبقى استثناءً دائماً خارج قواعد التسوية التي تُفرض على الجميع؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك