قالت الدكتورة إيمان على، محاضر الذكاء الاصطناعى بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن انتشار ما يُسمى بـ«الرفقاء الرقميين» يعيد تشكيل مفهوم الارتباط العاطفى، ويدلل على أن بعض أنماط التفاعل معهم قد تعزز الانغلاق بدلاً من الانفتاح الاجتماعى.
وأضافت «إيمان»، فى حوارها مع «الوطن»، أن المستخدم للذكاء الاصطناعى قد يتوهم أن لديه «رفيقاً» يفهمه، بينما هو فى الحقيقة يتعامل مع نظام يجيب بطريقة محسوبة وليست إنسانية.
■ فيمَ يتمثل أثر الشات بوت والذكاء الاصطناعى على الفرد والأسرة؟- يمكن القول إن الشات بوت والذكاء الاصطناعى ليسا خطراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً؛ فهما أداتان قويتان تتحدد فائدتهما أو ضررهما بطريقة الاستخدام، ودرجة وعى الفرد، وحدود الاعتماد عليهما.
وتُظهر تقارير وتحليلات حديثة أن هذه الأدوات قد تمنح بعض المستخدمين دعماً نفسياً أو سهولة فى الوصول إلى المعلومات، لكنها فى الوقت نفسه قد ترتبط بالاعتماد العاطفى، وتراجع التفاعل الإنسانى، وازدياد المخاطر لدى الفئات الأكثر هشاشة نفسياً واجتماعياً.
■ وماذا عن الناحية الاجتماعية؟- من الناحية الاجتماعية، تكمن الخطورة الأكبر فى أن الذكاء الاصطناعى قد يتحول من وسيلة مساعدة إلى بديل مزيف للعلاقة الإنسانية.
حين يبدأ الفرد فى تفضيل المحادثة مع الشات بوت على الحديث مع الأسرة أو الأصدقاء، يصبح عرضة للعزلة التدريجية، لأن العلاقة مع الآلة سهلة وغير متعبة ولا تتطلب مجهوداً اجتماعياً، لكنها أيضاً لا تبنى مهارات التواصل الحقيقى ولا تعلم الإنسان كيف يختلف ويتحاور ويتحمّل الآخرين.
وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن انتشار الرفقاء الرقميين يعيد تشكيل مفهوم الارتباط العاطفى، وأن بعض أنماط التفاعل معهم قد يعزز الانغلاق بدل الانفتاح الاجتماعى.
■ ومتى تزداد خطورة الأمر؟تزداد الخطورة عندما يستخدم الفرد الشات بوت للحصول على إجابات فى أمور حساسة جداً بدل الرجوع إلى أشخاص موثوقين أو مختصين.
ففى هذه الحالة قد يتوهم المستخدم أن لديه «رفيقاً» يفهمه، بينما هو فى الحقيقة يتعامل مع نظام يجيب بطريقة محسوبة وليست إنسانية.
هذا الوهم قد يضعف الثقة فى العلاقات الواقعية، أو يجعل الشخص أقل صبراً مع الناس، لأن الإنسان الحقيقى يخطئ ويعترض ويحتاج وقتاً، بينما الآلة تجيب بسرعة وبلغة مريحة.
ومن هنا تنشأ فجوة اجتماعية بين العالم الواقعى والعالم الرقمى.
على الأسرة تنظيم وقت الأبناء وتشجيع النقاش بدلاً من المنع.
والتنسيق ضرورة بين المطورين والجهات الصحية■ إلى أى مدى تظهر المخاطر النفسية؟- نفسياً، الأثر أكثر تعقيداً، فبعض الأشخاص قد يشعرون بالراحة لأن الشات بوت يوفّر لهم مساحة آمنة للكلام دون خوف من الحكم أو السخرية، وهذا قد يكون مفيداً مؤقتاً لمن يعانى من الخجل أو القلق الاجتماعى أو ضغط الحياة.
لكن هذا الارتياح قد يتحول إلى اعتماد، ثم إلى تعلق، ثم إلى هروب من مواجهة الواقع.
وقد حذرت أبحاث حديثة من أن بعض المستخدمين، خاصة من لديهم هشاشة نفسية أو اضطرابات سابقة، قد يتأثرون سلباً عبر تضخيم الأوهام أو تعزيز التفكير غير الواقعى أو زيادة الميل للعزلة.
كما أن المشكلة النفسية لا تتوقف عند المحتوى فقط، بل تمتد إلى العلاقة، حين يتحدث المستخدم مع نظام يبدو متفهماً دائماً، قد يظن أنه يحصل على احتواء حقيقى، بينما هو يتلقى استجابات مصممة لتبدو مطمئنة.
وقد وجدت دراسات أن بعض الناس يشعرون بأن الشات بوت أكثر حكماً وأقل قدرة على الفهم العميق أو التحقق العاطفى مما كانوا يتوقعون، وهذا قد يسبب خيبة أو نفوراً لدى من يلجأون إليه فى لحظات ضعف نفسى، لذلك، فالأثر النفسى قد يتراوح بين دعم مؤقت، وارتياح سطحى، واعتماد ضار، أو حتى تفاقم لمشكلات قائمة بحسب الشخص وطريقة الاستخدام.
■ فى رأيك هل حظر تطبيقات الذكاء الاصطناعى يعد حلاً لهذه الإشكالية؟ أم أن الأمر بحاجة إلى تنظيم أكثر؟- سلبيات هذه الأدوات لا تعنى تركها كلياً، لأن ذلك سيكون تجاهلاً لفوائدها الكبيرة فى التعليم، والتنظيم، والإنتاج، وتسهيل الوصول للمعلومة.
الأصح هو وضع ضوابط واضحة، مثل عدم الاعتماد عليها فى القرارات المصيرية، وعدم استخدامها كبديل عن الطبيب النفسى أو المستشار الأسرى، والوعى بأنها أداة مساعدة وليست صاحب خبرة إنسانية كاملة، كما أن الأبحاث الحديثة تشدد على ضرورة وجود أطر تنظيمية وتدخلات منسقة بين المطورين والجهات الصحية والرقابية، خاصة مع الحالات التى يظهر فيها تعلق أو سلوك غير واقعى مرتبط بالمحادثات مع الذكاء الاصطناعى.
■ إلى أى مدى يظهر دور الأسرة فى التعامل مع هذا التحدى العصرى؟- دور الأسرة هنا أساسى جداً، لأن الأسرة هى الجهة الأولى التى تلاحظ تغيّر السلوك قبل أن يتحول إلى مشكلة كبيرة.
إذا انغلق الابن أو الابنة على الهاتف لساعات طويلة، أو بدأ يفضّل الحديث مع الشات بوت على الحديث مع أهله، أو صار أكثر عزلة وانزعاجاً من الناس، فهذه إشارات تحتاج إلى احتواء لا إلى صدام.
فالمطلوب ليس المنع الحاد فقط، بل بناء وعى هادئ داخل البيت يشرح أن التكنولوجيا مفيدة لكنها لا تغنى عن العلاقات البشرية.
كما ينبغى للأسرة أن تضع قواعد استخدام واقعية، مثل أوقات خالية من الأجهزة أثناء الأكل أو قبل النوم، وتشجيع النقاش العائلى، ومراقبة المحتوى الذى يتعرض له الأبناء بحسب العمر، وتدريبهم على سؤال بسيط لكنه مهم: هل هذه الأداة تساعدنى فعلاً، أم تجعلنى أبتعد عن الناس؟ ، فالدراسات والمقالات المتخصصة تنصح بأن تكون الأسرة شريكة فى تنظيم الاستخدام، لا مجرد جهة عقابية، لأن التوجيه المتفهم ينجح أكثر من المنع الغاضب.
■ هل يمكن القول إن الذكاء الاصطناعى والشات بوت خير رفيق؟- الإجابة الدقيقة هى: نعم، بشرط، ولا، إذا صار بديلاً، هو رفيق جيد عندما يساعد على التعلم، وتنظيم الأفكار، وتبسيط المعلومات، وتحرير الوقت، ودعم بعض المهام اليومية.
وهو قد يكون مفيداً أيضاً فى اللحظات العادية أو عند الحاجة إلى مساعدة أولية سريعة، خاصة إذا كان المستخدم واعياً وحدوده واضحة، لكنّه لا يكون رفيقاً كاملاً لأن الصداقة الحقيقية لا تقوم فقط على الإجابة السريعة، بل على الذاكرة الحية، والتعاطف الإنسانى، وتحمل الخطأ، والمشاركة المتبادلة، والقدرة على أن يقول لك الآخر أحياناً ما لا تريد سماعه لكنه ينفعك.
الآلة قد تشبه الصديق فى اللغة، لكنها لا تشبهه فى الوجود.
لهذا فهو رفيق مفيد وحذر، وليس رفيقاً بديلاً عن الإنسان.
الخطر الحقيقى لا يكمن فى الذكاء الاصطناعى نفسه، بل فى الطريقة التى يُمنح بها مكانة أكبر من اللازم فى الحياة اليومية.
إذا استُخدم كأداة للتعلم والتيسير بقى نافعاً، وإذا سُمِح له بأن يملأ فراغ العاطفة والعزلة فقد يتحول إلى سبب إضافى للوحدة والاضطراب، لذلك فالمطلوب ليس الخوف منه، بل الفهم، والضبط، والتربية الرقمية الواعية، لأن الإنسان حين يحسن استخدام التقنية يربح، وحين يسلّم لها زمام حياته يخسر جزءاً من إنسانيته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك