اتفاقا تقاسم الثروة والسلطة 2004تابعنا في المقال السابق من هذه السلسلة من المقالات عن خفايا وخبايا مفاوضات واتفاقيات تقرير المصير لجنوب السودان عملية التفاوض بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان بعد توقيع الطرفين على بروتوكول مشاكوس.
وهذا البروتوكول هو الاتفاق الذي اعترفت بمقتضاه حكومة الإنقاذ، رسمياً وبوضوح، مع الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم، بحقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان في 20 يوليو 2002.
وقد كان ذلك أول اعترافٍ رسميٍ بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان يصدر من حكومةٍ في الخرطوم.
أوضحنا التعقيدات والصعوبات العديدة التي طفحت على سطح التفاوض بعد التوقيع على بروتوكول مشاكوس، والتي أوشكت أن تعصف بالبروتوكول نفسه.
تابعنا بعد ذلك تطوراتٍ متعدّدة، وناقشنا كيف قادت تلك التطورات إلى العودة إلى طاولة المفاوضات والتوقيع على اتفاق الترتيبات الأمنية في 25 سبتمبر عام 2003، وكيف عبّد اتفاق الترتيبات الأمنية الطريق إلى الوصول إلى اتفاقين:الأول حول تقاسم الثروة وتم التوقيع عليه في 7 يناير عام 2004،والثاني عن تقاسم السلطة، والتوقيع عليه في 26 مايو عام 2004.
سوف نناقش ببعض التفاصيل بنود اتفاق تقاسم الثروة، ونوضح كيف قاد هذا الاتفاق بدوره إلى اتفاق تقاسم السلطة، الذي سنناقش بنوده أيضاً في هذا المقال.
أوضحت اتفاقية تقاسم الثروة أن صافي الدخل من البترول الذي يتمُّ انتاجه في جنوب السودان تتمُّ قسمته مناصفةً بين الحكومة المركزية وحكومة جنوب السودان، بعد خصم 2% لحساب تثبيت إيرادات البترول، و2% للولاية المنتجة للبترول.
كانت الحركة الشعبية قد طالبت عند بدء المفاوضات بـ 90% من صافي دخل بترول جنوب السودان، ثم عادت وخفّضت ذلك الرقم إلى 70%، وأصرّت عليه.
وقد رفض الوفد الحكومي هذه الأرقام، مشيراً إلى التكلفة العالية التي تكبّدتها الحكومة لاستخراج البترول وبناء خط الأنابيب والمصفاة والبنية التحتية لتصدير البترول عبر ميناء بورتسودان.
ثم عادت وثيقة ناكورو التي ناقشناها في المقال السابق واقترحت أن يكون نصيب الحكومة المركزية 52%، وحكومة الجنوب 48%.
وقد قبلت الحركة هذا المقترح، لكن حكومة الإنقاذ رفضته.
تعثّرت المفاوضات في هذه المسألة، وبعد تدخل الخبراء من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وافق الطرفان على قسمة صافي الدخل من بترول جنوب السودان مناصفةً بينهما، بعد الخصومات التي تم ذكرها أعلاه (2% لحساب تثبيت إيرادات البترول، و2% للولاية المنتجة للبترول).
وكان هذا المقترح شبيهاً بمقترحات وثيقة ناكورو.
أغضبت هذه المناصفة التي قبلها الطرفان الكثير من أبناء الجنوب.
فقد رأوا فيها ظلماً كبيراً لجنوب السودان الذي يحتاج، في رأيهم، إلى الكثير من العون ليعيد بناء قراه ومدارسه ومستشفياته (على قِلّتها) والتي دمرتها بلا رحمةٍ قواتُ حكومات الخرطوم المتعاقبة، خصوصاً حكومة الإنقاذ التي ستنال نصف عائد بترول الجنوب بمقتضى هذا الاتفاق.
وقد أصبحت هذه القسمة لصافي بترول جنوب السودان حافزاً، وساهمت مع أسباب أخرى، كما سنناقش لاحقاً، على التصويت بما يشبه الإجماع للانفصال.
فالانفصال سيعطي جنوب السودان كل صافي الدخل من البترول المنتج هناك (بعد خصم تكلفة الترحيل عبر خط الأنابيب في شمال السودان واستخدام ميناء بورتسودان المُتّفق عليها مع الخرطوم).
تواصلت المفاوضات بعد ذلك، وأدّت زيارات بعض الشخصيات العالمية من بينها السيد كولين باول وزير الخارجية الامريكي، إلى مزيدٍ من الضغوط على الطرفين نتج عنها بعض الانفراج.
وتمّ الاتفاق في يوم 26 مايو عام 2004، أي بعد أربعة أشهرٍ من اتفاقية تقاسم الثروة، على ثلاث اتفاقيات:الأولى كانت عن تقاسم السلطة،والثانية عن ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان،أشار اتفاق تقاسم السلطة إلى بروتوكول مشاكوس وأُسِسِ وهياكلِ الحكم التي تضمّنها ذلك البروتوكول، شاملةً مبادئ الديمقراطية والشفافية والمحاسبة، وحكم القانون.
تضمّن الاتفاق التزام الحكومة بمبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة المبنيّة على المعاهدات الدولية والإقليمية، وأسس العدالة واحترام استقلال القضاء، والسعي لتحقيق الحكم الرشيد، والخضوع للمساءلة والشفافية والديمقراطية، وسيادة القانون على كافة أصعدة الحكم لتحقيق السلام الدائم.
وألزم اتفاق تقاسم السلطة جمهورية السودان، بما فيها كافة مستويات الحكم في جميع أرجاء القطر وبصفةٍ كاملة، على احترام تعهداتها بموجب معاهدات حقوق الإنسان الدولية التي هي طرفٌ فيها، أو التي ستصبح طرفاً فيها.
وتشمل تلك المعاهدات العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقيات الدولية لإزالة جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية الاسترقاق لعام 1926 في صيغها المعدلة، والاتفاقية الملحقة المتعلّقة بها، والاتفاقية الدولية بشأن منع ومعاقبة جريمة الفصل العنصري، والاتفاقية الدولية لمناهضة الفصل العنصري في الرياضة، والاتفاقية المتعلّقة بوضع اللاجئين والبروتوكول المتعلّق بها، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
وتضمّن الاتفاق نصوصاً يتعيّن بمقتضاها على حكومة السودان السعي إلى التصديق على معاهدات حقوق الإنسان الأخرى التي وقّعتها.
وأوضحت الاتفاقية أنه لا يجوز استرقاق أحد، ويُمنع الاسترقاق والإتجار فيه بكافة أشكاله، ولا يخضع أحدٌ للسخرة، أو يُرغم على أداء أيِّ عمل قسراً.
كما اشتمل الاتفاق على موادٍ عن بدء عملية مصالحةٍ وطنيةٍ شاملةٍ، وتضميد الجراح في جميع أرجاء القطر كجزءٍ من عملية بناء السلام.
وتتولى حكومة الوحدة الوطنية صياغة آليات وأشكال هذه العملية.
كان في ذهن الحركة الشعبية، التي طالبت بذلك، إجراءٌ مماثلٌ لما تمّ في دولة جنوب أفريقيا بعد انتهاء فترة حكم التمييز العنصري هناك عام 1994، وهو ما عُرِف ب “الحقيقة والمصالحة.
”وكان في ذهن الحركة الشعبية أيضاً التجاوزات الخطيرة والمجازر التي ارتكبها الجيش السوداني في الجنوب.
وشملت تلك المجازر مجزرتي جوبا وواو عام 1965، ومجزرة السلاطين، ومجزرة الضعين، وكذلك مجازر فترة الإنقاذ التي تمت تحت شعار الجهاد.
أشار اتفاق تقاسم السلطة أيضاً إلى مجموعةٍ من المفوضيات يتم إنشاؤها خلال الفترة قبل الانتقالية أو مع بداية الفترة الانتقالية شملت: المفوضية القومية للانتخابات، ومفوضية حقوق الإنسان، والمفوضية القومية للخدمة المدنية، والمفوضية القومية لمتابعة الاستفتاء، والمفوضية العليا لمراجعة الدستور، والمحكمة الدستورية.
فصّل الاتفاق هياكل ومستويات الحكم في السودان والتي تتكوّن من الحكومة المركزية، وحكومة جنوب السودان، وحكومات الولايات.
وشكّل الاتفاق “مؤسسة الرئاسة” التي تتكوّن من رئيس الجمهورية ونائبيه، وأوضح صلاحيات المؤسسة.
أشار الاتفاق أنه إلى حين عقد الانتخابات يكون رئيس الجمهورية الحالي، أو خلفه، هو الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة السودانية.
ويكون الرئيس الحالى للحركة الشعبية لتحرير السودان، أو خلفه، هو النائب الأول للرئيس، بالإضافة إلى تقلّده منصب رئيس حكومة جنوب السودان، ومنصب القائد الأعلى للجيش الشعبى لتحرير السودان.
وحدّد الاتفاق المسائل التي يحتاج فيها الرئيس إلى موافقة النائب الأول لاتخاذها، والتي تشمل إعلان وإنهاء حالة الطوارىء، وإعلان الحرب، ودعوة السلطة التشريعية القومية إلى الاجتماع، وتأجيل جلساتها وتعطيلها إلى أجل غير مسمى.
وتشمل أيضاً تشكيل المفوضيات المنصوص عليها في اتفاقية السلام الشامل.
أوضح الاتفاق أنه إذا شغر منصب رئيس الجمهورية قبل الانتخابات فإن مهام الرئاسة تُوكل إلى مجلس رئاسى يضمُّ رئيس المجلس الوطني والنائب الأول للرئيس ونائب الرئيس.
ويكون رئيس المجلس الوطني رئيساً للمجلس الرئاسي.
غير أن الاتفاق أشار إلى أن مرشح حزب المؤتمر الوطني سيتولى منصب رئيس الجمهورية خلال أسبوعين من تاريخ خلو المنصب.
وإذا شغر منصب الرئاسة خلال فترة ما بعد الانتخابات فإن المجلس الرئاسي سيتولّى مهام رئيس الجمهورية، على أن يكون النائب الأول رئيساً للمجلس (وليس رئيس المجلس الوطني).
ويلزم الاتفاق الطرفين بعقد انتخابات لرئيس الجمهورية خلال ستين يوماً من خلو المنصب.
كما أوضح الاتفاق أنه في حالة خلو منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية فيتولى المنصب مرشح الحركة الشعبية لتحرير السودان، وذلك خلال أسبوعين من خلو المنصب.
لم تكن الحركة الشعبية على توافقٍ مع مضمون هذه المواد.
فقد كانت الحركة ترى أن يشغر النائب الأول لرئيس الجمهورية المنصب إذا خلا ذلك المنصب في أي وقتٍ ولأي سبب.
وقد أدخل الوسطاء بعض التعديلات، ووافقت الحركة في نهاية الأمر عليها.
ويبدو أن موافقة الحركة النهائية تمت على مضضٍ وخوفاً من تعثّر المفاوضات، وتأثير ذلك على بروتوكول مشاكوس – الإنجاز الكبير الذي كانت الحركة قد قررت أنها لن تسمح بأي مساسٍ به.
خصّص اتفاق تقاسم السلطة 52% من المقاعد في السلطة التنفيذية القومية والسلطة التشريعية القومية للمؤتمر الوطني، و28% للحركة الشعبية، و14% للقوى السياسية الشمالية الأخرى، و6% للقوى السياسية الجنوبية الأخرى.
وتمّ تطبيق نسبٍ متقاربةٍ من هذه النسب لتقاسم مقاعد حكومات الولايات في الشمال.
كان واضحاً أن الحركة الشعبية أرادت إرسال رسالةٍ إلى أصدقائها القدامى في التجمع الوطني الديمقراطي أنها ما تزال تذكرهم، وأنهم ما يزالون “الشريك الخفي” في المفاوضات (كما ذكرت لهم من قبل! ).
وقد دفع ذلك حكومة الإنقاذ لفعل نفس الشيء مع من تبقى من أصدقائها من جنوب السودان.
كما أشار الاتفاق إلى ضرورة أن ينال أبناء الجنوب بين 20% إلى 30% من الوظائف العليا في الخدمة المدنية، بما في ذلك وظائف السلك الدبلوماسي.
أما في الجنوب وسلطاته الجديدة فقد اتفق الطرفان على أن تؤول 70% من مقاعد السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية إلى الحركة الشعبية، بينما تؤول 15% لكلٍ من حزب المؤتمر الوطني، و15% للقوى الجنوبية الأخرى.
لم يكن هناك نصيبٌ لأصدقاء الحركة الشعبية في التجمع الوطني الديمقراطي في هذه القسمة في جنوب السودان.
تضمّن اتفاق تقاسم السلطة فصلاً كاملاً عن العاصمة القومية، أوضح أنه تتمّ إدارتها على أساس تمثيل الطرفين خلال الفترة الإنتقالية بدرجةٍ كافيةٍ في هذه الإدارة في جميع أجهزتها.
وأشار الاتفاق إلى أن حقوق الإنسان والحريات الأساسية الواردة في بروتوكول مشاكوس، وفي هذا الاتفاق، بما في ذلك احترام جميع الديانات والمعتقدات والعادات، يتمّ ضمانها وتنفيذها في العاصمة القومية وجميع أرجاء السودان وتضمينها في الدستور الانتقالي.
اتفق الطرفان أيضاً أن تكون أجهزة تنفيذ القانون في العاصمة مُمثِّلةً لسكان السودان ومُدرّبةً تدريباً كافياً، وتكون مدركةً للتنوع الثقافى والدينى والاجتماعى لجميع السودانيين.
وأشار الاتفاق إلى أن السلوك الناشئ عن الممارسات الثقافية والأعراف والذي لا يسبّب إخلالاً بالنظام العام ولا يزدري أعراف الآخرين ولا يكون فيه تجاهلٌ سافرٌ للقانون يعتبر ممارسةً للحريات الشخصية.
كما طالب الاتفاق المحاكمَ أن تراعي عند ممارستها سلطاتها التقديرية عند توقيع العقوبات على غير المسلمين من السكان مبدأ الشريعة القاضي بأن غير المسلمين لا يخضعون للعقوبات الحدّية المفروضة، وبالتالي ينبغي تطبيق عقوبات تعزيرية.
كذلك نصّ الاتفاق على تشكيل مفوضية ضمان حماية حقوق غير المسلمين في العاصمة القومية تكون مهامها التأكّد من أن غير المسلمين لا يتضرّرون من جراء تطبيق الشريعة الإسلامية بالعاصمة القومية، وأن حقوقهم محميّةٌ طبقاً للمبادئ العامة المنصوص عليها في هذا الاتفاق، على أن تقدم هذه اللجنة ملاحظاتها وتوصياتها إلى مؤسسةالرئاسة.
شمل اتفاق تقاسم السلطة مجموعةً من الملاحق فصّلت السلطات القومية، وسلطات حكومة جنوب السودان، وسلطات الولايات، والسلطات المشتركة (أو المتطابقة)، والسلطات المتبقّية.
وشمل أيضاً ملحقاً لإجراءاتٍ مطوّلة عن تسوية النزاعات بالنسبة للسلطات المشتركة.
استغرق الوصول إلى هذه المواد من اتفاق تقاسم السلطة وقتاً طويلاً من زمن التفاوض.
وقد لعب الوسطاء دوراً كبيراً في تقريب وجهات النظر التي بدأت، وظلّت لبعض الوقت، متضاربةً ومتباعدة.
يلاحظ أن سلطات حكومة الجنوب شملت اقتراض أموال بضمان حكومة جنوب السودان وحدها فقط، ضمن سياسة الاقتصاد الكلي القومية.
كما يلاحظ أن هذه السلطات شملت أيضاً المبادرة إلى اتفاقيات دولية وإقليمية والتفاوض بواسطة حكومة جنوب السودان بشأنها وإتمامها في مجالات الثقافة والرياضة والاستثمار والقروض والمنح والمساعدة الفنية مع الحكومات الأجنبية، والمنظمات غير الحكومية الأجنبية، دون الإخلال بالنظم القومية، ودون الإخلال بلوائح حكومة جنوب السودان.
وقد جادلت الحركة الشعبية فيما بعد أن هذا النص من اتفاق تقاسم السلطة يعطيها الحق في فتح مكاتب اتصالات في بعض الدول التي تختارها لتسهيل التفاوض على هذه الاتفاقيات الدولية.
وقد قامت حكومة الجنوب فعلاً بفتح هذه المكاتب (رغم عدم قبول مجموعة الإنقاذ لهذا التفسير) في عددٍ من الدول منذ بداية الفترة الانتقالية.
كما قامت عددٌ من الدول بفتح قنصليات لها في جوبا.
وقد أصبحت مكاتب الاتصال والقنصليات تلك سفاراتٍ كاملة بمجرد انفصال جنوب السودان.
كما ذكرنا من قبل، لم يشر بروتوكول مشاكوس إلى نظام الحكم في السودان خلال الفترة الانتقالية.
وقد تجنّب اتفاق تقاسم السلطة أيضاً أيّة تسميةٍ لهذا النظام.
ولكن بالقراءة المتأنّية لهذه الاتفاقيات الأربعة (مشاكوس، الترتيبات الأمنية، تقاسم الثروة، وتقاسم السلطة)، فلا بُدّ من التوقّف عند مجموعة من المسائل.
تشمل هذه المسائل وجود جيشين منفصلين للشمال والجنوب، وحق الجنوب في تسليح جيشه في الفترة الانتقالية، وانسحاب الجيش الحكومي من الجنوب كليةً.
هذا بالإضافة إلى صلاحيات حكومة جنوب السودان الواسعة، والتي تشمل التفاوض على الاتفاقيات الدولية وتلقّي القروض بضمانات حكومة جنوب السودان وحدها.
وكما ذكرنا سابقاً، فقد جادلت حكومة جنوب السودان أن هذه الصلاحيات تتطلّب وتعطيها حق فتح مكاتب اتصالات في الدول الأخرى، وقامت فعلاً بفتح هذه المكاتب.
وبالمقابل، قد فتحت عددٌ من الدول قنصليات لها في جوبا.
كل هذه الصلاحيات الواسعة لحكومة الجنوب هي سمات النظام الكونفيدرالي الذي كانت الحركة الشعبية تطالب به خلال المفاوضات.
وقد حصلت عليه الحركة الشعبية دون أن يتمَّ ذكر كلمة “الكونفيدرالية” في أيّةٍ من وثائق اتفاقية السلام الشامل حتى لا تثير حفيظة مفاوضي حكومة الإنقاذ الذين رفضوا النظام الكونفيدرالي بشدّة منذ بداية مفاوضات مشاكوس.
ولا بُّد أن الوسطاء كانوا سعيدين بغضِّ الطرف من الجانبين عن تسمية هذا النظام السياسي.
فكلٌ من الطرفين اعتقد أنه حقّق أغراضه، فما هي مصلحة الوسطاء في إثارة هذه المسألة والإبقاء على هذا الباب الخلافي مفتوحاً؟مثّل نجاح التفاوض حول مسألتي تقاسم الثروة وتقاسم السلطة، وتوقيع اتفاقٍ يخصُّ كلاً منهما على حدة، دفعةً كبيرة لعملية التفاوض، ونجاحاً معتبراً للوسطاء.
وقد قاد ذلك النجاح إلى انتقال التفاوض إلى النزاع حول ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
لكن كان واضحاً منذ اكتمال التفاوض على بروتوكول مشاكوس أن النقاش والتفاوض على هاتين المنطقتين سيكون صعباً بسبب الشرخ الكبير داخل الحركة الشعبية الذي تسبّب فيه بروتوكول مشاكوس.
وقد نتج ذلك الشرخ بعدم تطرّق البروتوكول على الإطلاق إلى هاتين المنطقتين اللتين كانت الحركة الشعبية تطالب بتطبيق حق تقرير المصير فيهما، أسوةً بجنوب السودان.
ثم تنازلت عن ذلك في بروتوكول مشاكوس، كما ناقشنا من قبل.
سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات، ببعض التفصيل، محاولات المفاوضات حول اتفاق المنطقتين معالجة هذه القضايا الشائكة لهاتين المنطقتين، وعلاقتهما بكلٍ من حكومتي الخرطوم وجوبا بموجب بنود الاتفاق، وكذلك بنود الاتفاق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك