عمان- في وقت تتسارع فيه التحولات العالمية نحو تبني الحلول القائمة على الطبيعة كأحد أبرز مسارات إدارة المياه المستدامة، يبرز الأردن كحالة تجمع بين تراكم مبكر في التجربة من جهة، وتحديات بنيوية ما تزال تحد من الانتقال إلى تطبيق واسع النطاق من جهة أخرى.
اضافة اعلانوهذا التوجه الذي لم يعد خيارا تقنيا فحسب، بل مقاربة شاملة ترتبط بالحوكمة والتمويل والمجتمع والبيئة، ما يفتح نقاشا واسعا حول مدى جاهزية المملكة لتوسيع هذه الحلول وتحويلها من مشاريع متفرقة إلى سياسة مائية وطنية راسخة.
وبالنسبة للأردن، كان من الدول التي تنبهت مبكرا لأزمة الشح المائي، وفق تأكيدات خبراء في قطاع المياه لـ" الغد"، عازين ذلك إلى تداخل عوامل متعددة تشمل انخفاض الهطول المطري، والاستنزاف المتزايد للمياه الجوفية، وتفاقم آثار التغير المناخي، فضلا عن ارتفاع الطلب نتيجة النمو السكاني واللجوء.
وهذا الواقع، دفع نحو تبني حلول تعتمد على النظم البيئية والعمليات الطبيعية، كبديل مكمل للبنية التحتية التقليدية، في محاولة لتعزيز قدرة النظام المائي على الصمود والتكيف، وفق المختصين.
ورأى الخبراء أن الأردن يمتلك أساسا مهما يؤهله لتوسيع تطبيق الحلول القائمة على الطبيعة في إدارة المياه، غير أن هذا الانتقال ما يزال يحتاج إلى مرحلة أكثر تقدما من حيث التمويل، وتحديث الأطر التنظيمية، ودمج هذه الحلول بشكل أوضح وأعمق داخل السياسات المائية الوطنية، بما يضمن تحويل التجارب القائمة إلى نهج وطني مستدام قادر على مواجهة تحديات الأمن المائي، وتعزيز الفوائد البيئية والاقتصادية على المدى الطويل.
وتشير المؤشرات الفنية والمؤسسية إلى أن جاهزية الأردن لتبني هذا النهج تقع في مستوى متوسط إلى مرتفع، وهو ما يعكس وجود قاعدة مؤسساتية وخبرات فنية قائمة، لكنها في المقابل تواجه فجوات واضحة في التمويل والتشريع وآليات التنفيذ.
ونوّه الخبراء إلى أنه رغم امتلاك الأردن مقومات واعدة لتبني الحلول القائمة على الطبيعة في إدارة المياه، مستفيدا من تنوعه البيئي وموارده غير التقليدية وخبراته المحلية، إلا أن نجاح هذا التوجه يتطلب تطوير الأطر التشريعية والمؤسسية، وتعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، بما يسهم في مواجهة تحديات الشح المائي، وتحقيق مكاسب بيئية واقتصادية مستدامة.
وتوضح مراجعات السياسات المائية أن عددا من هذه التوجهات تم إدماجه ضمن الإستراتيجية الوطنية للمياه 2023-2040، التي تتجه نحو الإدارة المتكاملة للمياه، والتكيف مع التغير المناخي، وحماية الأحواض المائية، وتعزيز استخدام المياه المعالجة، ما يعكس محاولة مؤسسية لتثبيت هذا النهج ضمن الإطار التخطيطي طويل الأمد.
وفي الحالة الأردنية، تكشف المعطيات عن وجود نقاط قوة مهمة تدعم هذا التوجه، أبرزها توفر قاعدة علمية من الجامعات والمراكز البحثية، ووجود بيانات هيدرولوجية جيدة نسبيا، إضافة إلى اهتمام دولي متزايد بتمويل مشاريع المياه والتكيف مع المناخ، فضلا عن خبرات محلية تراكمت في مجالات الحصاد المائي ومعالجة المياه.
غير أن الانتقال من المبادرات التجريبية إلى التطبيق الوطني الواسع، ما يزال مرهونا بقدرة المنظومة على معالجة اختناقات التمويل وتحديث الأطر التشريعية وتعزيز التنسيق المؤسسي.
وحول تنامي الاهتمام العالمي بالحلول القائمة على الطبيعة في إدارة المياه ومدى جاهزية الأردن لتبني هذا النهج، أكد الأمين العام الأسبق لسلطة المياه م.
توفيق الحباشنة، أن الأردن يمتلك مقومات جيدة لتبني هذا النهج في إدارة المياه، غير أن مستوى الجاهزية ما يزال في حدود المستوى المتوسط، ويحتاج إلى تعزيز مؤسسي وتمويلي وتشريعي لتحقيق نتائج أوسع نطاقا.
وقال الحباشنة: إن الأردن يمتلك مقومات جيدة تؤهله لتبني نهج الحلول القائمة على الطبيعة في إدارة المياه، غير أن مستوى الجاهزية ما يزال في حدود المستوى المتوسط، وهو ما يستدعي العمل على رفع هذه الجاهزية بشكل تدريجي من خلال تعزيز الجوانب المؤسسية والتمويلية والتشريعية، بما يتيح الوصول إلى نتائج أوسع نطاقا وأكثر فاعلية في هذا المجال.
وأشار إلى أن تحقيق تقدم ملموس في تطبيق هذا النهج يتطلب معالجة عدد من الجوانب المرتبطة بالإطار المؤسسي والتخطيطي، بحيث يتم الانتقال من مستوى المبادرات المحدودة إلى مستوى التطبيق الأوسع والأكثر انتظاما ضمن السياسات العامة لقطاع المياه.
وفيما يتعلق بالمتطلبات اللازمة لضمان نجاح هذه الحلول، أوضح أن الدور الحكومي يمثل المحور الأساسي في هذا السياق، من خلال العمل على دمج الحلول القائمة على الطبيعة ضمن السياسات والإستراتيجيات الوطنية للمياه، بما يضمن إدراجها بشكل واضح في خطط القطاع المائي على المديين المتوسط والبعيد.
كما بين ضرورة تطوير التشريعات ذات العلاقة، إلى جانب إقرار حوافز تشجع على الاستثمار في المشاريع ذات الطابع البيئي، بما يسهم في توسيع نطاق هذه الحلول وتعزيز قدرتها على التطبيق العملي في مختلف المناطق.
وأضاف الحباشنة أن تعزيز الجاهزية يتطلب كذلك تخصيص موارد مالية مناسبة لدعم هذا التوجه، إضافة إلى رفع مستوى التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المعنية بقطاعات المياه والزراعة والبيئة، بما يضمن تكاملا في الأدوار وتفاديا للازدواجية في الجهود، ويسهم في رفع كفاءة التنفيذ وتحقيق الأهداف المرجوة ضمن قطاع المياه.
ومع تزايد القناعة الدولية بأن الحلول القائمة على الطبيعة أصبحت جزءا أساسيا من منظومات إدارة المياه الحديثة، يطرح الواقع الأردني تساؤلات حول فرص تطبيق هذا النهج محليا ومدى الجاهزية المؤسسية والفنية لتبنيه، إضافة إلى طبيعة الشراكة المطلوبة بين مختلف الأطراف المعنية لإنجاحه، وهو ما استعرضه الخبير الدولي في قطاع المياه د.
غازي أبو رمان، مؤكدا أن تنامي الاهتمام العالمي بهذه الحلول جاء استجابة لتفاقم أزمة المياه، واتساع الفجوة بين العرض والطلب على الموارد المائية.
وقال أبو رمان: إن هذا التنامي جاء في وقت تتصاعد فيه أزمة المياه عالميا وتتعمق الفجوة بين العرض والطلب، ما جعل هذا النهج يمثل مسارا واعدا يجمع بين الحكمة البيئية والجدوى الاقتصادية.
وأضاف أن الجدل لم يعد قائما حول حقيقة أزمة المياه العالمية، فالأرقام تتحدث بوضوح عن واقع مائي مقلق، إذ يعيش أكثر من أربعة مليارات شخص في مناطق تعاني شحا حادا في المياه لفترات تتجاوز شهرا واحدا في السنة، فيما تجاوزت الفجوة بين العرض والطلب في الأحواض المائية الكبرى حدود ما تستطيع البنى التحتية التقليدية تلبيته.
وأوضح أن هذا الواقع أسهم في تصاعد الاهتمام الدولي بمفهوم الحلول القائمة على الطبيعة بوصفها نهجا تكامليا يعيد توظيف العمليات الطبيعية لمعالجة التحديات البيئية والمائية والمناخية، مؤكدا أن هذه الحلول لا تمثل بديلا عن البنى التحتية الهندسية التقليدية، بل شريكا أكثر مرونة وأقل تكلفة وأبعد أثرا على المدى الطويل.
وأشار أبو رمان إلى أن عددا من الدول حول العالم نجح في توظيف هذه الحلول لمعالجة أزماته المائية، الأمر الذي استدعى من الأردن، باعتباره واحدا من أكثر دول العالم فقرا بالمياه، رفع مستوى جاهزيته لتبني هذه التقنيات على نطاق أوسع، ورسم أطر واضحة للعلاقة بين الجهات الحكومية ذات الصلة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية لضمان نجاحها واستدامتها.
وأكد أن الطبيعة كانت أقدم مهندس مائي عرفته البشرية، وأن إعادة الاستثمار في قدراتها الذاتية لم تعد رفاهية بيئية، وإنما ضرورة إستراتيجية تفرضها تحديات الأمن المائي والتنمية المستدامة.
وبين أن الحلول القائمة على الطبيعة تعرف عالميا بأنها مجموعة من الإجراءات الرامية إلى حماية النظم البيئية وإدارتها واستعادتها بصورة مستدامة، بما يعالج التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية ويوفر منافع مباشرة للإنسان والتنوع البيولوجي في الوقت ذاته.
وأوضح أن هذه الحلول شملت مجموعة واسعة من الأدوات والتطبيقات المستوحاة من آليات الطبيعة، من أبرزها التشجير وإدارة مستجمعات المياه واستخدام الغطاء النباتي لتنظيم الجريان السطحي، وتعزيز تغذية المياه الجوفية وتحسين جودة المياه، إلى جانب إنشاء الأراضي الرطبة الاصطناعية التي تعتمد على النباتات المائية في معالجة المياه وتحسين خصائصها البيئية والكيميائية.
ولفت إلى أن المعالجة الحيوية برزت كأحد أهم تطبيقات هذا النهج، حيث اعتمدت على توظيف النباتات والكائنات الدقيقة والميكروبات لاستيعاب الملوثات وتحليلها والتقليل من آثارها البيئية، إضافة إلى تطبيقات الزراعة المتكيفة مع المناخ التي أسهمت في خفض استهلاك المياه وتحسين خصوبة التربة، فضلا عن حصاد مياه الأمطار وحماية المياه الجوفية وتعزيز استدامتها للأجيال المقبلة.
وأكد أن من أبرز مزايا الحلول القائمة على الطبيعة قدرتها على تحقيق منافع متعددة في الوقت نفسه، إذ خدمت قطاع المياه وساهمت في حماية التنوع البيولوجي والتكيف مع التغير المناخي، فضلا عن انخفاض تكاليف تشغيلها وصيانتها مقارنة بالبنى التحتية التقليدية، وقدرتها على التكيف مع الخصوصيات البيئية والاجتماعية المختلفة.
وأشار أبو رمان إلى أن خبراته العملية في عدد من المشاريع الدولية والإقليمية والمحلية، وفرت نماذج حقيقية تؤكد قدرة هذه الحلول على إحداث أثر ملموس في قطاع المياه بعيدا عن الطروحات النظرية.
وأوضح أن أستراليا قدمت نموذجا بارزا في توظيف الحلول القائمة على الطبيعة لمعالجة مشكلة ارتفاع منسوب المياه الجوفية المالحة في مناطق واسعة من غرب البلاد، وهي مشكلة هددت الطرق والمنشآت والبنية التحتية نتيجة تراكم الأملاح بالقرب من سطح التربة.
وأضاف أن السلطات الأسترالية تعاونت مع الجامعات ومراكز البحث العلمي لزراعة أنواع نباتية عميقة الجذور ضمن الأحواض الهيدرولوجية الحرجة، حيث تمكنت هذه النباتات من امتصاص كميات كبيرة من المياه الجوفية يوميا، ما أسهم في خفض منسوب المياه المالحة وحماية البنية التحتية المحيطة.
وشدد على أن هذه التجربة أثبتت أن الاستثمار في الغطاء النباتي لم يكن مجرد خيار بيئي، بل شكل حلا هندسيا واقتصاديا وفر ملايين الدولارات التي كان من الممكن إنفاقها على أعمال الصيانة والإصلاح.
وتحدث أبو رمان عن تجربة سلطنة عمان في معالجة المياه المصاحبة لاستخراج النفط باستخدام التقنيات الحيوية، موضحا أن حقول النفط أنتجت كميات كبيرة من المياه المحتوية على تركيزات مرتفعة من الهيدروكربونات والملوثات المختلفة.
وقال: إنه خلال العمل ضمن منظمة دولية تم توظيف نباتات قادرة على تحليل هذه المركبات بالاستفادة من البكتيريا والإنزيمات الموجودة في جذورها، حيث ساعدت في تفكيك الملوثات النفطية وتحويلها إلى مركبات أقل ضررا.
وأضاف أن فوائد المشروع لم تقتصر على تحسين جودة المياه فقط، بل امتدت إلى إعادة استخدامها في مكافحة التصحر وتحسين التنوع البيولوجي ورفع جودة البيئة في المناطق المجاورة.
وفيما يتعلق بالتجربة الهندية، أوضح أبو رمان أن الملوثات الناشئة مثل المضادات الحيوية والهرمونات ومخلفات الأدوية والميكروبلاستيك، شكلت تحديا كبيرا أمام إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة، بسبب محدودية قدرة العديد من محطات المعالجة التقليدية على إزالتها بالكامل.
وتابع أن الباحثين هناك استخدموا سلالات مختارة من البكتيريا والفطريات ذات القدرات الإنزيمية العالية لتحليل هذه المركبات وتحويلها إلى مكونات أكثر أمانا، مبينا أن النتائج أظهرت نجاحا واضحا في خفض تركيزات هذه الملوثات إلى مستويات سمحت بإعادة استخدام المياه في الزراعة والصناعة.
وأكد أن هذه التجربة كشفت أن كثيرا من الحلول قد توجد في مختبرات الطبيعة الدقيقة وليس بالضرورة في المفاعلات الكيميائية مرتفعة الكلفة.
وعن مدى جاهزية الأردن لتبني الحلول القائمة على الطبيعة في إدارة المياه، قال أبو رمان: إن المملكة امتلكت مقومات مهمة تؤهلها للمضي في هذا الاتجاه، وفي مقدمتها التنوع البيئي الاستثنائي الذي امتد عبر أكثر من خمسة أقاليم مناخية، من الأغوار إلى البادية، وهو ما وفر ثروة من النباتات والكائنات الدقيقة القابلة للتوظيف في تطوير حلول مصممة خصيصا لظروف كل منطقة.
وأضاف أن توفر الموارد المائية غير التقليدية الناتجة عن مياه الصرف الصحي المعالجة والمياه الصناعية وفر فرصا واسعة لتحسين جودة هذه الموارد وإعادة استخدامها بكلف أقل، مشيرا إلى تشكيل الإرث الزراعي المتراكم والترابط المجتمعي القوي، نقطة قوة إضافية، حيث امتلك المزارعون الأردنيون خبرات طويلة في الممارسات البيئية التقليدية التي يمكن البناء عليها وتطويرها بما ينسجم مع التطبيقات الحديثة للحلول القائمة على الطبيعة.
ولفت إلى أن الأردن حظي أيضا باهتمام متزايد من المؤسسات الدولية والوكالات الأممية الراغبة في تمويل هذا النوع من المشاريع، ما وفر فرصة مهمة لتعزيز القدرات الوطنية وتسريع تبني هذه الحلول.
وفي المقابل، أكد أبو رمان أن هناك تحديات ما تزال تؤثر على مستوى الجاهزية الوطنية، وفي مقدمتها غياب إطار تشريعي وتنظيمي متكامل ينظم تطبيقات الحلول القائمة على الطبيعة، إضافة إلى محدودية الكوادر المتخصصة في مجالات المعالجة الحيوية وهندسة الأراضي الرطبة المنشأة.
ونبّه أبو رمان من ضعف التنسيق المؤسسي بين وزارات المياه والزراعة والبيئة والصناعة إذ شكل ذلك تحديا إضافيا، إلى جانب الحاجة إلى دور أكبر من المؤسسات البحثية في بناء قاعدة بيانات وطنية للنباتات والكائنات الدقيقة المحلية ذات الإمكانات العلاجية.
وعن الأدوار المطلوبة لضمان نجاح هذه الحلول، شدد أبو رمان على ضرورة بناء شراكة حقيقية ومتكاملة بين مختلف الأطراف المعنية، موضحا أن الحكومة مطالبة بقيادة عملية التطوير التشريعي والتنظيمي من خلال مراجعة القوانين والأنظمة الخاصة بإعادة استخدام المياه، والاعتراف بالحلول الحيوية كخيار رسمي ضمن منظومة إدارة المياه، إضافة إلى إعداد سياسة وطنية للحلول القائمة على الطبيعة تحدد الأولويات القطاعية وآليات التمويل والتطبيق.
وتابع أن الجامعات ومراكز البحث العلمي يقع على عاتقها دور أساسي في توفير المعرفة العلمية والتطبيقية اللازمة قبل التوسع في التنفيذ، من خلال تطوير الدراسات الميدانية والأبحاث المتخصصة التي تضمن مواءمة هذه الحلول للظروف المحلية.
وأكد أن القطاع الخاص يمثل شريكا رئيسا في الابتكار والاستثمار، من خلال تأسيس شركات وطنية متخصصة في تطوير التقنيات الحيوية المحلية والاستثمار في مشاريع الأراضي الرطبة المنشأة لمعالجة المياه الصناعية والسياحية والتوسع في استخدامها.
وفيما يتعلق بالمجتمعات المحلية، قال أبو رمان: إنها تمثل حجر الأساس في نجاح هذه المبادرات، من خلال إشراكها في مراحل التصميم والتنفيذ لضمان توافق الحلول مع الواقع الثقافي والزراعي المحلي، والاستفادة من المعرفة التقليدية المتوارثة مثل أنظمة حصاد مياه الأمطار وأساليب الغرس الموسمي في تطوير حلول أكثر كفاءة وقبولا مجتمعيا.
وأشار إلى أن طبيعة الاقتصاد الأردني وخصوصية قطاعاته الإنتاجية، أظهرت ثلاثة مسارات ذات أولوية عالية يمكن أن تحقق فيها الحلول القائمة على الطبيعة عوائد مائية وبيئية واقتصادية ملموسة خلال فترة زمنية معقولة.
وأوضح أن المسار الأول تمثل في معالجة مياه الزيبار الناتجة عن صناعة زيت الزيتون، حيث شكلت هذه المياه أحد أبرز مصادر التلوث العضوي بسبب احتوائها على نسب مرتفعة من المركبات الفينولية والمواد العضوية، فيما وفرت التقنيات الحيوية النباتية والميكروبية فرصة حقيقية لتحويلها إلى مورد مائي يمكن الاستفادة منه في الري بعد المعالجة.
وأضاف أن المسار الثاني تعلق بمياه الصرف الصناعي والسياحي، حيث أمكن تطوير منظومات طبيعية هجينة تجمع بين الأراضي الرطبة الاصطناعية والوحدات الميكروبية المتخصصة ومراحل الترشيح النباتي لإنتاج مياه معالجة قابلة لإعادة الاستخدام وتقليل الضغط على شبكات الصرف المركزية.
أما المسار الثالث، فقال: إنه تمثل في معالجة مياه الصرف الصحي غير المرتبطة بشبكات الصرف العام، وهو نموذج أثبت نجاحه في عدد من المشاريع التي نفذت بالشراكة بين وزارة المياه والري ومنظمات دولية.
وأوضح أن هذه المشاريع اعتمدت على أحواض تجميع مائي مصممة هندسيا ومزودة بطبقات حصوية مدروسة حققت مستويات عالية من الترسيب والتصفية الطبيعية، وأظهرت نتائج واعدة من حيث تحسين جودة المياه وخفض تكاليف التشغيل وتحقيق قبول مجتمعي جيد.
ودعا أبو رمان إلى إطلاق برنامج وطني لرصد وتصنيف النباتات والكائنات الدقيقة المحلية ذات الإمكانات العلاجية، وتنفيذ مشاريع تجريبية لمعالجة الزيبار في المحافظات الرئيسة المنتجة للزيتون مثل البلقاء وجرش وعجلون، والاستفادة من المياه الصناعية في قطاعات مثل مناشير الحجر، وتطوير معايير فنية وطنية لتصميم الأراضي الرطبة المنشأة وإدراجها ضمن اشتراطات وزارة البيئة.
كما نادى بإطلاق برامج متخصصة لتأهيل المهندسين والفنيين في تطبيقات الحلول القائمة على الطبيعة تمهيدا للانتقال من مرحلة النماذج التجريبية إلى مرحلة التطبيق الواسع.
وأشار أبو رمان إلى امتلاك الأردن فرصة حقيقية للتحول إلى نموذج إقليمي في توظيف الحلول القائمة على الطبيعة في إدارة المياه، مستفيدا من ثرائه البيولوجي وكفاءة كوادره البحثية وشبكة شراكاته الدولية، مؤكدا أن تكامل جهود الحكومة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية كفيل بأن يعيد للطبيعة دورها بوصفها أحد أعظم المهندسين القادرين على دعم الأمن المائي وتحقيق التنمية المستدامة.
وحول ما يرافق الاهتمام العالمي بالحلول القائمة على الطبيعة في إدارة المياه من تساؤلات حول مدى قدرة الدول على توسيع نطاق تطبيقها، أكد الخبير الدولي في قطاع المياه م.
محمد إرشيد، أن جاهزية الأردن لتبني هذا النهج تعد متوسطة إلى مرتفعة من الناحية المؤسسية والفنية، إلا أنها ما تزال تواجه تحديات تمويلية وتشريعية وتنفيذية.
وقال إرشيد: إن الأردن تنبه مبكرا إلى تحدي شح المياه، نتيجة انخفاض معدلات الهطول المطري، والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية، وتأثيرات التغير المناخي، وازدياد فترات الجفاف.
إلى جانب النمو السكاني، واللجوء وما رافقه من ارتفاع في الطلب على المياه، ما دفع إلى تبني نهج الحلول القائمة على الطبيعة التي تعتمد على استخدام النظم البيئية والعمليات الطبيعية لمعالجة شح المياه وتحسين إدارتها، بدلا من الاعتماد فقط على البنية التحتية الهندسية التقليدية.
وأضاف إرشيد أن جاهزية الأردن لتبني هذا النهج، تعد متوسطة إلى مرتفعة من الناحية المؤسسية والفنية، غير أنها ما تزال تواجه تحديات تمويلية وتشريعية وتنفيذية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن المملكة شهدت خلال السنوات الماضية تنفيذ مشاريع متعددة تستند إلى مبادئ الحلول القائمة على الطبيعة، وقد حققت تقدما ملحوظا في ذلك.
ومن بين تلك المشاريع، الحصاد المائي، ومعالجة المياه العادمة، وإعادة استخدام المياه المعالجة للزراعة، إضافة إلى مشاريع حماية مناطق التغذية المائية من التدهور العمراني والتعرية، ومشاريع حماية الأحواض المائية والغطاء النباتي، ومشاريع التشجير، وتغذية المياه الجوفية، وحصاد مياه الأمطار من الأسطح وإنشاء آبار جمع للمياه.
وبين إرشيد أن بعض هذه المشاريع حقق نجاحات واضحة، فيما يحتاج بعضها الآخر إلى مزيد من العمل والتطوير، خاصة فيما يتعلق بتغذية المياه الجوفية، حيث يجري العمل على التغذية الصناعية من خلال حفر آبار للحقن الجوفي، إلى جانب وجود مناطق تتغذى فيها الطبقات الجوفية بشكل مباشر من مياه الأمطار والسيول.
وأوضح إرشيد أن العديد من هذه التوجهات تم إدماجها ضمن الإستراتيجية الوطنية للمياه 2023-2040، التي تميل نحو الإدارة المتكاملة للمياه والتكيف مع التغير المناخي وحماية الأحواض المائية وتعزيز استخدام المياه المعالجة.
وفيما يتعلق بنقاط القوة، أشار إلى أن الأردن يمتلك مقومات مهمة تسهل تبني الحلول القائمة على الطبيعة، من بينها وجود جامعات ومراكز بحثية قادرة على توفير المعرفة العلمية، وتوفر بيانات هيدرولوجية جيدة، إضافة إلى اهتمام الدول المانحة الدولية بتمويل مشاريع المياه والتكيف مع التغير المناخي، ووجود خبرات محلية في مجالات الحصاد المائي ومعالجة المياه.
وأوضح أن دور الحكومة يتمثل في وضع السياسات والتشريعات والتخطيط والإدارة، بما يشمل حماية مناطق تغذية المياه الجوفية من التوسع العمراني، ودمج الحلول الطبيعية في التخطيط الحضري والزراعي، وتعزيز التنسيق بين قطاعات المياه والزراعة والبيئة والتخطيط المحلي.
وذلك إلى جانب التمويل والحوافز من خلال تقديم حوافز ضريبية أو دعم مالي للمشاريع المستدامة، وتوفير قروض ميسرة للمزارعين، وجذب التمويل الدولي، فضلا عن بناء القدرات ودعم البحث العلمي.
أما بخصوص دور القطاع الخاص، فبين أنه يتمثل في الاستثمار والتنفيذ في مشاريع الحصاد المائي، وإعادة استخدام المياه المعالجة وتطوير وتشغيل أنظمة الأراضي الرطبة الاصطناعية ومحطات المعالجة اللامركزية، إضافة إلى الابتكار والتكنولوجيا، وتعزيز الشراكات مع الحكومة ضمن نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص والمساهمة في تشغيل وصيانة المشاريع طويلة الأمد.
وفيما يختصّ بالمجتمعات المحلية، أكد أن دورها يتركز في المشاركة في التخطيط واتخاذ القرار، وتحديد التحديات المائية على المستوى المحلي، إضافة إلى حماية النظم البيئية واستعادتها من خلال المشاركة في إعادة تأهيل الأراضي الرطبة وحماية الغابات والأحواض المائية وزراعة الأشجار ومكافحة التصحر، إلى جانب المساهمة في الإدارة المستدامة للموارد المائية.
ولفت إرشيد إلى امتلاك الأردن أساسا جيدا لتوسيع وتطبيق الحلول القائمة على الطبيعة في إدارة المياه، إلا أن الانتقال من المشاريع التجريبية إلى التطبيق الوطني واسع النطاق يتطلب تعزيز التمويل وتطوير الأطر التنظيمية، ودمج هذه الحلول بصورة أوضح ضمن سياسات المياه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك