ناقش نادي أدب قصر ثقافة دمياط المجموعة القصصية «لحظات قلقة» للكاتبة مها الخواجة، في قراءة نقدية تناولت حضور القلق بوصفه عنصرًا وجوديًا ملازمًا لحياة الإنسان، يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية المختلفة.
وتناول النقاد عدد من نصوص المجموعة، من بينها قصة" حضور وانصراف" كنموذج دال على هذا التوجه، وتدور أحداثها داخل أحد البنوك، حيث يسعى رجل مسن فقد إحدى ساقيه إلى إنجاز معاملة مصرفية، لكنه يصطدم بإصرار موظفة على الالتزام بالدور والتعليمات، ومن هذا الموقف البسيط ظاهريًا، تنسج الكاتبة مشهدًا إنسانيًا متوترًا، يتقاطع فيه الشعور بالعجز مع سلطة النظام، وتتواجه الحاجة الإنسانية مع مقتضيات اللوائح.
ونجحت مها الخواجة في تقديم شخصياتها دون أحكام مسبقة، تاركة للقارئ مساحة للتأمل وإعادة النظر في مواقفه.
فالرجل يبدو مستحقًا للتعاطف بحكم سنه وإعاقته وإرهاقه، غير أن نبرته المتعالية وإشارته الساخرة إلى الآخرين تُحدث ارتباكًا في تلقي الشخصية، وفي المقابل، تبدو الموظفة متمسكة بالقواعد، لكنها لا تخلو من الجفاء الذي يزيد من حدة الأزمة أما الحاضرون فيمثلون الضمير الجمعي المتردد بين التعاطف مع الرجل واحترام النظام.
ويتجلى القلق في القصة بأبعاده المتعددة؛ فهناك قلق الرجل الساعي إلى تجاوز الانتظار، وقلق الموظفة الحريصة على أداء واجبها وفق اللوائح، وقلق الجمهور الذي يراقب المشهد مترقبًا مخرجًا إنسانيًا للأزمة، كما ينسحب القلق على المكان نفسه، ذلك الفضاء المغلق الذي تكثف داخله مشاعر الضجر والتوتر والترقب.
وتتجلى براعة الكاتبة في تفاصيلها السردية الدقيقة، خاصة في مشهد مغادرة الرجل، حيث تتحول طرقات العكاز إلى ما يشبه الإيقاع الجنائزي المصاحب لخروجه، وكأنها تشيع جسدًا أنهكته السنوات قبل أن تغادره الحياة، إنها صورة مكثفة تحمل دلالات إنسانية عميقة، وتؤكد قدرة الكاتبة على توظيف التفاصيل الصغيرة لصناعة أثر فني كبير.
في النهاية، تقدم قصة" حضور وانصراف" نموذجًا دالًا على عالم" لحظات قلقة"، حيث تتقاطع الهشاشة الإنسانية مع صرامة الواقع، ويتحول الموقف العابر إلى سؤال وجودي حول الرحمة والعدالة والفهم المتبادل، وهي قصة تؤكد ما تتميز به كتابات مها الخواجة من وعي إنساني ورهافة فنية وقدرة على التقاط التفاصيل الكاشفة في حياة الناس.
و تضم المجموعة 28 قصة، ترصد مشاعر الفقد والعزلة والخوف والخذلان من خلال معالجة نفسية وإنسانية عميقة، تركز على التجربة الشعورية أكثر من الأحداث التقليدية، و تتميز بهيمنة البعد النفسي، واللغة الأدبية المشحونة بالصور الوجدانية، والنهايات المفتوحة أو الصادمة التي تترك أثرًا لدى القارئ،كما توقف النقاد عند عدد من القصص البارزة، منها «نوبة بكاء أخيرة»، و«الجدران»، و«سيمفونية الحزن»، و«صدى الضحكات»، و«قبل الحادث»، مؤكدين على نجاح الكاتبة في تصوير الهواجس الإنسانية والاضطرابات النفسية بقدر كبير من الحساسية والصدق، «لحظات قلقة» تقدم عالمًا إنسانيًا مثقلًا بالأسئلة والمشاعر المضطربة، وتكشف عن قدرة مها الخواجة على بناء مشاهد مؤثرة نفسيًا وعاطفيًا، معربة عن تطلعها إلى مزيد من التوازن بين شاعرية اللغة وحركة السرد في أعمالها المقبلة، شارك في مناقشة المجموعة الكاتب هشام عبد الصمد، الكاتبة أمال سالم، والناقد عزت الخضري، والكاتبة جيهان البنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك