تشهد العلاقات والاتصالات الدبلوماسية بين مصر وباكستان والسعودية وتركيا نشاطًا مكثفًا خلال الأسابيع الماضية، بالتزامن مع التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لوقف العمليات العسكرية، وعودة قدر من الاستقرار النسبي إلى المنطقة، بعد نحو شهرين ونصف من التوتر الذي أعقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتداعياتها على أمن عدد من دول الخليج العربي.
ويعكس هذا التحرك الرباعي الإقليمي بداية مسار جديد لتحركات أكثر شمولًا، يهدف إلى التصدي لحالة الفوضى الاستراتيجية التي تسعى إسرائيل إلى ترسيخها في عدد من الساحات، بما يخدم مصالحها وأجنداتها التوسعية التي تستنزف قدرات دول المنطقة، وتعيد تشكيل الشرق الأوسط وفقًا لرؤيتها الخاصة.
وبحسب المعطيات المتوفرة، تسعى مصر والسعودية وباكستان وتركيا إلى تكثيف التحركات السياسية والدبلوماسية بهدف تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، وفتح قنوات اتصال مع الجانب الإيراني لاحتواء التوترات، ومناقشة سبل التوصل إلى تفاهمات مستدامة تقوم على أسس ومبادئ يتم التوافق عليها خلال المرحلة المقبلة.
وتدرك مصر أن النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل حاليًا يجب أن ينبع من إرادة دول المنطقة، لا أن يُفرض من قوى خارجية، أو من أطراف تدعم سياسات إسرائيل التي تسعى للتوسع في لبنان وسوريا، والاستمرار في قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس، إلى جانب محاولات التغلغل في إفريقيا عبر دعم ما يسمى بإقليم “أرض الصومال”، وهو ما يفرض ضرورة تعزيز التنسيق بين الدول الأربع.
ويبرز الملف الإيراني كأحد أهم ملفات هذا التحرك، في ظل الحاجة إلى احتواء طهران في المرحلة الراهنة، مع التوجه نحو دعم أمن واستقرار دول الخليج العربي، والتصدي لأي محاولات لزعزعة استقرارها، باعتبارها جزءًا محوريًا من منظومة الأمن القومي العربي.
وتمتلك باكستان وتركيا، بحكم اعتبارات جغرافية وسياسية، قنوات تواصل مؤثرة مع الجانب الإيراني، بما قد يسهم في نقل هواجس الدول العربية وتنسيق المواقف تجاه القضايا الخلافية.
ويأتي ذلك في وقت يدرك فيه هذا الرباعي أن التصعيد الإسرائيلي في لبنان وسوريا وإيران يهدف إلى صرف الأنظار عن القضية الفلسطينية، التي تمثل القضية المركزية للعرب.
وفي هذا السياق، تسعى إسرائيل إلى فرض وقائع جديدة على الأرض عبر التوسع الاستيطاني وتهجير الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وهو ما ترفضه مصر والسعودية، اللتان دعمتا خلال السنوات الماضية جهود الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وطرحتا مبادرات لتعزيز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
كما تؤكد الدول الأربع أهمية إعادة الزخم للقضية الفلسطينية، باعتبارها مدخلًا أساسيًا لأي استقرار حقيقي في الشرق الأوسط، مع التمسك بحل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، ورفض السياسات الاستيطانية والإجراءات التي تعرقل جهود إعادة الإعمار في قطاع غزة.
وفي الملف اللبناني، يبرز تحدٍّ جديد يتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار الهش، في ظل محاولات إسرائيل فرض معادلات سياسية وعسكرية جديدة في الجنوب اللبناني، بما يهدد الاستقرار الإقليمي.
كما تواجه سوريا تحديات معقدة، في ظل الحاجة إلى دعم مسار توحيد الدولة ومؤسساتها، والتصدي للتوغلات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب السوري، في وقت تعمل فيه تركيا ومصر والسعودية على دعم جهود إعادة بناء الدولة السورية.
ويظل الملف الصومالي أحد أكثر الملفات حساسية، في ظل مخاوف من محاولات تقسيمه أو دعم كيانات انفصالية، بما قد يمنح إسرائيل موطئ قدم في محيط استراتيجي قريب من باب المندب واليمن، ويزيد من تعقيد مشهد الأمن في البحر الأحمر.
وفي ضوء هذه التحديات، يمثل التحرك الرباعي بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان محاولة لتأسيس مقاربة إقليمية جديدة، تقوم على استخدام الأدوات الدبلوماسية والسياسية لاحتواء بؤر التوتر، وفرض معادلة استقرار إقليمي أكثر توازنًا، في مواجهة حالة الفوضى التي تشهدها المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك