لم يكن الصراع الذي شهدته مصر خلال عام حكم جماعة الإخوان الإرهابية مجرد خلاف سياسي تقليدي بين سلطة ومعارضة، لكنه معركة حول هوية الدولة وحدود النفوذ الحزبي داخل مؤسساتها، فخلال أشهر قليلة من وصول الجماعة إلى الحكم، تصاعدت مؤشرات قوية لسعي الجماعة نحو تنفيذ مخطط" التمكين"، عبر الدفع بعناصر موالية للتنظيم إلى مواقع القرار داخل أجهزة الدولة، في مسار اعتبره معارضون محاولة لإعادة تشكيل مؤسسات الجمهورية وفق رؤية الجماعة وأهدافها التنظيمية.
ولكن بعد عام واحد فقط من الحكم، تحولت عبارة" أخونة الدولة" إلى واحدة من أكثر المصطلحات تداولًا في الشارع المصري والإعلام والنخبة السياسية، بعدما شهدت البلاد موجة متسارعة من التعيينات والقرارات التي اعتبرها الشعب المصري محاولة لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق اعتبارات تنظيمية إخوانية، بما يتجاوز حدود التغيير الحكومي الطبيعي الذي يصاحب وصول أي تيار سياسي إلى السلطة.
ومع اتساع نطاق تلك التعيينات لتشمل الرئاسة والحكومة والمحافظات والهيئات التنفيذية، ثم امتداد الجدل إلى مؤسسات ذات طبيعة خاصة مثل الأزهر والقضاء والثقافة والإعلام، تصاعدت المخاوف من تآكل مبدأ الحياد المؤسسي، وتحول الدولة من كيان يخدم جميع المواطنين إلى ساحة نفوذ لتنظيم سياسي بعينه.
التمكين.
من التنظيم إلى مؤسسات الدولةوتشير شهادات وتقارير وثقت تلك المرحلة إلى أن جماعة الإخوان سعت إلى توسيع حضورها داخل مفاصل الدولة التنفيذية عبر تعيين شخصيات محسوبة عليها أو قريبة من توجهاتها في مواقع قيادية مؤثرة، شملت وزراء ومحافظين ومستشارين للرئاسة، فضلًا عن مساعدين ومستشارين للوزارات ورؤساء قطاعات ومسؤولين بالإدارة المحلية.
ورأى منتقدو الجماعة أن هذه الخطوات لم تكن مجرد تغييرات إدارية اعتيادية، لكنها كانت جزءًا من رؤية أوسع تستهدف ترسيخ نفوذ التنظيم داخل أجهزة الدولة، بما يضمن استمراره وتأثيره بغض النظر عن نتائج العملية السياسية.
الأزهر والقضاء والثقافة.
مؤسسات في قلب المواجهةلم يتوقف الجدل عند حدود الجهاز التنفيذي، لكن امتد إلى مؤسسات تُعد من ركائز الدولة الوطنية، فقد شهدت تلك الفترة خلافات حادة بين الجماعة ومؤسسة الأزهر الشريف، وسط اتهامات بمحاولات التأثير على استقلال المؤسسة الدينية الأعرق في العالم الإسلامي والضغط على قياداتها.
أخونة الأزهر.
محاولات السيطرة على المؤسسة الدينية الأعرقحاولت جماعة الإخوان الإرهابية بسط نفوذها داخل الأزهر الشريف، في إطار خطة" الأخونة" والحقيقة أن الخلاف بين الجماعة والأزهر سبق وصولها إلى السلطة، وبدأ منذ واقعة" مليشيات الأزهر" عام 2006، عندما أدان الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب استعراضات طلاب الجماعة داخل الحرم الجامعي، وهي الواقعة التي تبعتها محاكمات عسكرية لعدد من قيادات الإخوان، ما عمق حالة التوتر بين الطرفين.
لذلك اعتبرت الجماعة أن وصول محمد مرسي إلى قصر الرئاسة فرصة لتحقيق هدفها بالسيطرة على الأزهر، عبر عدة مسارات، تمثلت في محاولة اختراق المشيخة، والتأثير على المعاهد الأزهرية المنتشرة بالمحافظات، وبناء قواعد تنظيمية داخل جامعة الأزهر، إلا أن هذه المساعي توقفت مع أحداث 30 يونيو 2013.
وكانت جامعة الأزهر إحدى أهم ساحات الصراع، إذ تعزز نفوذ طلاب الإخوان عقب وصول الجماعة إلى الحكم، وسعت قائمتهم الطلابية إلى الفوز بمقاعد اتحاد الطلاب.
محاولات إخوانية لإعادة تشكيل المشهد الثقافيوفي وزارة الثقافة، فجرت قرارات وزير الثقافة الإخواني" علاء عبد العزيز" بإقالة الدكتورة إيناس عبد الدايم من منصب رئيس دار الأوبرا المصرية، بالإضافة إلى انهاء انتداب أحمد مجاهد كرئيس للهيئة العامة للكتاب آنذاك دون اختياره، حالة من الغضب بين المثقفين، الذين اعتبروا أن ما يجري يستهدف إعادة تشكيل المشهد الثقافي وفق اعتبارات أيديولوجية وسياسية.
وهو ما ترتب عليه اعتصام عدد كبير من الفنانين والمثقفين في ديوان عام وزارة الثقافة، وإصدار بيان سحب الثقة من المعزول محمد مرسى وحتى اندلاع ثورة 30 يونيو.
أخونة القضاء.
محاولات اختراق السلطة القضائيةأما السلطة القضائية، فقد دخلت في واحدة من أكثر مراحل التوتر في تاريخها الحديث، بعد طرح تعديلات قانونية أثارت مخاوف واسعة داخل الأوساط القضائية من إمكانية إعادة تشكيل المؤسسة القضائية والتأثير على استقلالها، رغم أن قانون السلطة القضائية يحظر على القضاة ممارسة العمل السياسي حفاظًا على استقلال القضاء وحياده.
وارتفعت حدة الخلافات، عندما أعلن المستشار وليد شرابي من منصة اعتصام رابعة في يوليو 2013 بيانًا وقعه 73 قاضيًا، عُرفوا لاحقًا باسم" قضاة البيان"، أعلنوا فيه رفض عزل مرسي وتمسكهم بما وصفوه بالشرعية الدستورية، وهو ما يعد خروجا عن على مقتضيات الحياد القضائي.
الفارق بين تداول السلطة والسيطرة على الدولةفي النظم الديمقراطية، من الطبيعي أن يشكل الحزب الفائز الحكومة ويختار فريقه السياسي لتنفيذ برنامجه الانتخابي، لكن الأزمة التي أثيرت خلال حكم الإخوان ارتبطت بتجاوز حدود تشكيل الحكومة إلى محاولة التغلغل داخل مؤسسات يفترض أن تظل محايدة ومستقلة، مثل القضاء والأجهزة الرقابية ومؤسسات الدولة السيادية.
ومن هنا برزت المخاوف من الخلط بين الدولة باعتبارها كيانًا دائمًا يمثل جميع المواطنين، وبين التنظيم السياسي الذي يتولى إدارة السلطة لفترة زمنية محددة.
والحقيقة أن الجماعة تبنت سياسة تستهدف تعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة، لذلك كانت ثورة 30 يونيو نقطة فاصلة أوقفت ما وصفوه بمحاولات إعادة هندسة مؤسسات الدولة وفق رؤية تنظيمية، ومحاولة انتزاع الدولة من هويتها الحضارية والوطنية، ليتحول مصطلح" أخونة الدولة" إلى عنوان رئيسي للأزمة السياسية التي سبقت ثورة 30 يونيو، وإلى أحد أكثر الملفات حضورًا في تقييم تجربة حكم الجماعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك