عمان - على خلاف المشهد السائد طوال الأيام الماضية، شهد جسر الملك حسين تحولا جذريا ومفاجئا، فما إن تواردت الأنباء عن زيارة مرتقبة لوزير الداخلية إلى الموقع، حتى اختفت مظاهر الازدحام والتكدس تماماً عند البوابات، وحلت مكانها حركة سير وانسيابية تامة للمسافرين.
اضافة اعلانوأجرى وزير الداخلية مازن الفراية، أمس الأحد، زيارة إلى جسر الملك حسين، للاطلاع على سير إجراءات العمل والوقوف ميدانيا على مستوى الخدمات المقدمة.
وقال الفراية خلال الجولة، إن خصوصية الجسر وطبيعة العمل به تختلف عن المراكز الحدودية الأخرى، كونه يربط الأردن مع الأراضي الفلسطينية، ويخضع لإجراءات الجانب الإسرائيلي.
وأشار لوجود مواسم محددة، تكثر خلالها حركة التنقل وزيادة أعداد المسافرين، تتركز بفصل الصيف ومواسم الحج والعمرة.
وأضاف أنه يجري حاليا تنفيذ عطاء لتطوير البنية التحتية للجسر، كما تم إنشاء قاعات ومظلات مخصصة لانتظار المسافرين، ومزودة بالخدمات الضرورية والمرافق الصحية المناسبة، والعمل مستمر لتطويرها، كما سيتم خلال الأيام القادمة البدء بتنفيذ مشاريع أخرى بالبنية التحتية.
وغابت أمس عن أبواب الجسر الطوابير والتجمعات البشرية الكثيفة التي تصدرت المشهد مؤخرا، الأمر الذي أثار تساؤلات واستياء واسعا بين المسافرين، الذين اعتبروا أن هذا" التنظيم المفاجئ" يثبت وجود خلل وقصور واضح في آلية تعامل الإدارات المعنية مع ملف المسافرين خلال الأيام الاعتيادية.
ويطالب مواطنون ومسافرون الجهات القائمة على الجسر بضرورة مأسسة هذا الأداء المنظم وجعله سياقا يوميا بدلا من ربطه بالزيارات الرسمية والميدانية للمسؤولين، مؤكدين أن كرامة المسافر وتوفير سبل الراحة له وسط الأجواء الحارة يجب أن تكون الأولوية القصوى في كافة الأوقات.
ولم تعد أزمة السفر عبر جسر الملك حسين (معبر الكرامة) مقتصرة على حجز" المنصة الإلكترونية" فحسب، بل باتت الإجراءات اللوجستية المعقدة على الأرض، وتعدد محطات التفتيش والتدقيق إلى جانب القضايا الأمنية المرتبطة بمنع السفر الإنساني من جانب الاحتلال تشكل فصولا متجددة من المعاناة اليومية لآلاف الفلسطينيين القادمين إلى الأردن أو العالم الخارجي.
وفي هذا الصدد، تحولت المنصة الإلكترونية المخصصة لتنظيم العبور على جسر الملك حسين من بوابة لتسهيل الإجراءات إلى معاناة مع ازدياد عدد المسافرين خلال فصل الصيف، فالنظام المعمول به حاليا يفرض سقفا محددا لأعداد المغادرين يوميا، ما يخلق عجزا هائلا باستيعاب الأعداد المتزايدة لا سيما في مواسم الذروة.
وبحسب مسافرين فان الشح بالتذاكر الإلكترونية المتاحة حول عملية الحجز أحال الأمر لسباق يومي محموم ينتهي في غضون ثوانٍ معدودة من فتح الموقع، تاركا الغالبية العظمى من المواطنين أمام عبارة" عذرا، الحجوزات مكتملة"، مبينين بأن النظام فتح الباب على مصراعيه للسماسرة والشركات المستغلة التي باتت تحتكر هذه المقاعد الشحيحة لتعيد بيعها بأسعار خيالية، مما جعل حرية التنقل حكراً على من يملك القدرة المالية.
وبحسب مسافرين فان تعدد المحطات وغياب الخدمات الأساسية يجعل من رحلتهم معاناة لا توصف، فبعد أن كان المسافر ينهي معاملات تذكرته ودخوله في محطة أو محطتين، بات مجبراً اليوم على المرور بأربع محطات تدقيق متتالية.
المحطة الأولى على بوابة الجسر الخارجية للتأكد المبدئي والمحطة الثانية عند مدخل الجسر للحصول على" فيشة الحجز" والمحطة الثالثة عند الشباك القديم بباب القاعة للحصول على" فيشة الحقائب" والمحطة الرابعة بعد وضع الحقائب لإعادة التأكد من الحجز مرة أخرى.
ويروي أحد المسافرين تجربته قائلاً" الوقوف في الطوابير أمام شبابيك قد يستمر لأكثر من ساعتين دون وجود نظام دور رقمي (أرقام انتظار)، متسائلا لماذا لا يتم توزيع أرقام ليجلس الناس على الكراسي بدلا من هذا الوقوف؟
وقال المسافر- فضل عدم ذكر اسمه- أن" الطامة الكبرى تبدأ منذ لحظة النزول عند بوابة الجسر، إذ يضطر المسافر لقطع مسافة طويلة مشياً على الأقدام وهو يجر حقائبه الثقيلة بسبب منع عربات الحقائب عن المسافرين واحتكارها فقط من قبل عمال العتالة.
"وإلى جانب التعقيدات اللوجستية، تبرز على السطح مآسٍ إنسانية مرتبطة بتأخير السفر للمغادرين عبر المعبر، ما يترك عائلات ومرضى بحالة ضياع، إذ يضطر المسافرون للعودة إلى العاصمة عمان والعودة في اليوم التالي مبكرا للحاق بدور مبكر.
فالوجه الأكثر قسوة لهذه الأزمة يتجلى في معاناة آلاف الفلسطينيين المغتربين، والطلاب الدارسين في الخارج والعائلات التي خرجت في زيارات قصيرة وتفاجأت بعدم وجود حجوزات ما عطل عودتهم إلى أرض الوطن، فالعديد من المسافرين الذين تنتهي إجازاتهم أو ارتباطاتهم الرسمية في الأردن أو الدول المجاورة، يجدون أنفسهم عالقين لأيام وأحياناً لأسابيع خارج بلادهم لعجزهم عن تأمين تذكرة عبور عبر المنصة للعودة لديارهم في الضفة الغربية.
هذا التأخير القسري لا يتوقف عند حدود الإرهاق النفسي بل يترتب عليه تبعات كارثية، إذ يتسبب بتفويت الطلاب للامتحانات وفصولهم الدراسية وفقدان الموظفين لأعمالهم ووظائفهم في دول الاغتراب لتجاوز المدة المحددة لإجازاتهم، ناهيك عن الكلفة المالية الباهظة الناتجة عن اضطرارهم لتمديد إقاماتهم في الفنادق والشقق المفروشة بانتظار الفرج والحصول على حجز.
ويؤكد أبو احمد انه وبعد ساعات طويلة من الانتظار تمكن من ركوب الحافلة التي تقله، وبعد الوصول للجسر الأمامي رفضت الجهات الإسرائيلية إدخال المسافرين بحجة أن العدد المتفق عليه قد اكتمل، ما اضطرهم للعودة ما تسبب بمعاناة نفسية ومادية كبيرة له ولرفاقه الذين يقدر عددهم بحوالي 150 راكبا.
ويستنزف تأخر المسافرين عن العودة لبلادهم بسبب تعقيدات المنصة وشح الحجوزات جيوب العائلات، فالمسافر العالق يجد نفسه مجبراً على تحمل مصاريف معيشية وسكنية إضافية غير مدرجة في حسبانه، إلى جانب الغرامات التي قد تفرضها شركات الطيران لإعادة جدولة الرحلات الفائتة، ما يخلق حالة من الضغط النفسي الشديد وخيبة الأمل خصوصا في ظل عجز الجهات المعنية عن إيجاد حلول مرنة لها.
أما الستينية أم محمد فتؤكد أن غالبية الفلسطينيين باتوا يحسبون ألف حساب قبل مغادرتهم الأراضي الفلسطينية متوجهين إلى الأردن، موضحة بأن المسافر بات لا يعرف متى يمكنه العودة لان الحجوزات على المنصة عادة ما تكون مغلقة لشهر أو اكثر.
وتلفت إلى أن بعض المسافرين لا يمكنهم بحكم عملهم وارتباطاتهم البقاء لفترة طويلة، في حين أن آخرين يأتون للعلاج ما يتطلب المغادرة بعد الانتهاء من تلقي الخدمة الصحية اللازمة، مشيرة إلى أن بقاء المسافرين لشهر أو اكثر يتسبب بمعاناة كبيرة على الصعيدين النفسي والمادي.
أمام هذا الواقع المرير، يرى مسافرون أن الحل لا يتطلب معجزات، بل يحتاج إلى مرونة إدارية وإرادة لتسهيل حياة المسافرين، مقترحين بعض الحلول لحين زيادة ساعات العمل في المعبر منها تقليص المحطات البيروقراطية ودمج المحطات الأربع التابعة لشركة النقل (جت) في محطة واحدة أو اثنتين على الأكثر لتقليل زمن الانتظار وتفعيل إدخال نظام الدور الإلكتروني وتوفير مقاعد مريحة وشاشات رقمية تنظم دخول المسافرين إلى شبابيك الخدمة بدلا من الطوابير البشرية الطويلة.
ويشدد عدد من المسافرين على ضرورة تسهيل المعاملات الإنسانية والمرضية عبر إيجاد آلية سريعة للنظر في طلبات" الاسترحام" والحالات الطبية الطارئة، وفصل القضايا الإدارية البسيطة (مثل مخالفات السير) عن الملفات الأمنية المعقدة لضمان الحفاظ على كرامة المسافر وتجنب حرمانه من حقه الأساسي في الحركة والعلاج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك