العربي الجديد - كرة القدم في الضفة الغربية.. تحت الأسلاك الشائكة بسبب الاحتلال القدس العربي - الخارجية السورية تعيّن جهاد مقدسي مستشارا للشؤون الأمريكية التلفزيون العربي - إسرائيل تعتزم تقليص قواتها جنوب لبنان.. كاتس: لن ننسحب من قلعة الشقيف العربي الجديد - مفاوضات سويسرا مستمرة وحديث عن تقدم بملف هرمز قناة العالم الإيرانية - قاآني للعدو الاسرائيلي: إذا لم تغادروا جنوب لبنان فسيتكرر سيناريو عام 2000 التلفزيون العربي - النرويج تشحن 1000 كيلوغرام من الطعام إلى كأس العالم في أميركا العربي الجديد - اعتماد الأمن الطاقي الأوروبي على الخليج الجزيرة نت - "نكسر كل شيء بدل تصحيح العيوب".. العابدي ينتقد الاتحاد التونسي عقب الإقصاء المونديالي الجزيرة نت - سجل الأزمات والصفقات.. محطات في تاريخ التفاوض الإيراني الأمريكي روسيا اليوم - أمين مجلس الأمن البيلاروسي: أوروبا ترغب في جر مينسك إلى النزاع الأوكراني
عامة

بين النخب والناس

الغد
الغد منذ 1 ساعة
1

لماذا تتسع الفجوة بين ما تقوله النخب وما يشعر به الناس؟في كثير من الأزمات المعاصرة لا تبدأ المشكلة بقرار خاطئ، بل بقراءة غير دقيقة للواقع. فالمسألة أحيانًا ليست فيما تقوله الحكومات أو النخب، بل في م...

لماذا تتسع الفجوة بين ما تقوله النخب وما يشعر به الناس؟في كثير من الأزمات المعاصرة لا تبدأ المشكلة بقرار خاطئ، بل بقراءة غير دقيقة للواقع.

فالمسألة أحيانًا ليست فيما تقوله الحكومات أو النخب، بل في مدى قدرتها على فهم التحولات العميقة التي تحدث داخل المجتمع قبل أن تتحول إلى فجوة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه الناس فعليًا.

اضافة اعلانوحين يتحدث مسؤول عن تحسن المؤشرات الاقتصادية بينما يواجه المواطن ضغوطا متزايدة في كلف المعيشة وفرص العمل ومستوى الخدمات، فإن المشكلة لا تكون بالضرورة في الرقم أو المؤشر نفسه، بل في المسافة التي تفصل بين لغة المؤسسات وتجربة الناس اليومية.

وهذه المسافة ليست مجرد سوء فهم عابر، بل قد تتحول مع الوقت إلى فجوة إدراكية تؤثر في الثقة العامة، وتجعل حتى السياسات السليمة تبدو بعيدة عن الواقع أو غير قادرة على ملامسة أولويات المجتمع.

العالم اليوم يعيش مرحلة تحولات غير مسبوقة.

فالتكنولوجيا تعيد تشكيل الاقتصادات، والذكاء الاصطناعي يغير طبيعة الوظائف، وسلاسل الإمداد العالمية يعاد رسمها، وموازين النفوذ تتبدل بوتيرة متسارعة.

وفي الوقت ذاته، تتراجع الثقة بالمؤسسات التقليدية في كثير من الدول، بينما تزداد قوة المنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام والتأثير في المزاج المجتمعي.

ولم تعد السلطة الحقيقية مرتبطة فقط بامتلاك المعلومة، بل أصبحت مرتبطة بامتلاك القدرة على فهم المجتمع والتفاعل مع مخاوفه وتطلعاته قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

وفي هذا السياق، لا يكفي أن تكون القرارات صحيحة من الناحية الفنية، بل يجب أن تكون منسجمة مع الواقع الذي يعيشه الناس، ومفهومة بالنسبة لهم، وقادرة على بناء قناعة بأن الدولة ترى ما يرونه وتشعر بما يشعرون به.

الأردن ليس بعيدًا عن هذه التحولات.

فعلى الرغم من أن الدولة أطلقت خلال السنوات الأخيرة مسارات تحديث سياسية واقتصادية وإدارية مهمة، وأنجزت نسبًا متقدمة من مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي، وحققت تقدمًا في مجالات التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية وجذب الاستثمارات، إلا أن جزءًا من النقاش العام ما يزال يتمحور حول أسئلة تتعلق بفرص العمل، وكلف المعيشة، والعدالة في الفرص، وسرعة انعكاس الإصلاحات على الحياة اليومية للمواطنين.

وهنا تظهر المعضلة الحقيقية.

فالمجتمع الأردني تغير بوتيرة أسرع مما تعكسه بعض أدوات الخطاب التقليدية.

فالأجيال الجديدة لم تعد تقارن واقعها بالماضي، بل بما تشاهده يوميًا في العالم.

ومنصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسائل للتواصل، بل أصبحت بيئة كاملة لإعادة تشكيل التوقعات والطموحات وأنماط التفكير.

وأصبح المواطن يقارن الخدمات والفرص ومستويات المعيشة على نطاق عالمي، لا محلي فقط.

وفي المقابل، ما تزال بعض الخطابات العامة تتحرك أحيانًا بمنطق يفترض أن المجتمع يتلقى الرسائل بالطريقة نفسها التي كان يتلقاها قبل سنوات طويلة.

لكن الواقع تغير.

فالمواطن اليوم لا يكتفي بالاستماع إلى الرسالة، بل يقارنها ويحللها ويختبرها ويقيسها مباشرة على تجربته الشخصية.

ولهذا، فإن بعض التصريحات قد تصبح أكثر تأثيرًا من القرارات نفسها، لأنها تكشف أحيانًا عن طريقة فهم الواقع أكثر مما تعبر عن مضمون القرار.

وعندما يشعر الناس أن الخطاب العام لا يلامس أولوياتهم أو يقلل من حجم التحديات التي يواجهونها، فإن الفجوة لا تتسع بسبب القرار فقط، بل بسبب الإحساس بأن هناك من لا يرى الواقع بالطريقة التي يرونه بها.

وهنا تكمن خطورة أزمة الفهم.

فالدول تستطيع تصحيح السياسات، وتعديل القرارات، ومراجعة الخطط، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما تبدأ الثقة بالتآكل نتيجة شعور متزايد بعدم الإصغاء.

ولهذا فإن القدرة على فهم المجتمع أصبحت اليوم جزءًا من الأمن الوطني والاستقرار السياسي، وليست مجرد مهارة في الاتصال أو العلاقات العامة.

والأخطر من اتخاذ قرار غير مناسب، هو الاستمرار في اتخاذ قرارات صحيحة نظريًا انطلاقًا من افتراضات لم تعد صحيحة واقعيًا.

فالدول لا تتعثر دائمًا لأنها لا ترى التحديات، بل أحيانًا لأنها ترى مجتمعًا لم يعد موجودًا بالصورة التي تتخيلها.

لقد أصبح الفارق بين الدولة القوية والدولة المتعثرة أقل ارتباطًا بحجم الموارد وأكثر ارتباطًا بجودة القراءة.

فالمؤسسات التي تستطيع التقاط التحولات الاجتماعية مبكرًا، تفهم التغيرات قبل أن تتحول إلى احتجاجات أو حالات إحباط أو عزوف أو فقدان للثقة.

أما المؤسسات التي تتأخر في قراءة المزاج العام، فإنها تجد نفسها في موقع رد الفعل الدائم مهما امتلكت من خطط وإمكانات.

كما أن الأحزاب السياسية تقف أمام اختبار حقيقي في هذا المجال.

فنجاح الأحزاب لن يُقاس بعدد المقاعد التي حصلت عليها، بل بقدرتها على التقاط التحولات الاجتماعية الجديدة وتحويلها إلى برامج وسياسات واقعية.

وإذا بقيت الأحزاب أسيرة لغة النخب أو النقاشات المغلقة، فإنها ستفقد أهم وظيفة أنشئت من أجلها، وهي أن تكون جسرًا بين الدولة والمجتمع.

وينطبق الأمر ذاته على المؤسسات العامة.

فالإدارة الحديثة لم تعد تقاس فقط بقدرتها على تنفيذ القرارات، بل بقدرتها على فهم البيئة التي تعمل فيها.

والمؤسسة التي تفهم المجتمع جيدًا تستطيع أن تتوقع المشكلات قبل ظهورها، وأن تدير التغيير بكلفة أقل، وأن تبني مستويات أعلى من الثقة والقبول.

أما المؤسسة التي تتأخر في قراءة التحولات، فإنها تجد نفسها في موقع رد الفعل الدائم، حتى لو كانت تمتلك أفضل الخطط والموارد.

وفي قلب هذه المعادلة يقف الشباب الأردني.

فهم الفئة الأكثر اتصالًا بالعالم، والأسرع تأثرًا بالتحولات، والأعلى سقفًا في التوقعات.

وهم لا يبحثون فقط عن فرص العمل، بل عن الشعور بالقدرة على التأثير، وعن العدالة في الوصول إلى الفرص، وعن وجود مسار واضح يربط بين الجهد والإنجاز.

وكلما اتسعت المسافة بين ما يشعرون به وما يسمعونه، تراجعت ثقتهم بالمجال العام، واتجهوا نحو مساحات بديلة للتعبير والتأثير خارج الأطر التقليدية.

وفي لحظة إقليمية ودولية يعاد فيها تشكيل الاقتصاد العالمي وموازين النفوذ وأنماط الحكم، تصبح القدرة على فهم المجتمع ميزة إستراتيجية لا تقل أهمية عن الاستثمارات أو التشريعات أو الخطط التنموية.

فالدول التي ستنجح في العقد القادم ليست فقط تلك التي تمتلك أفضل الرؤى، بل تلك التي تمتلك أفضل قدرة على قراءة التحولات قبل وقوعها.

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي في السنوات القادمة لن يكون إنتاج المزيد من الخطط أو الإستراتيجيات فقط، بل بناء قدرة مؤسسية أعلى على الإصغاء، وقراءة المزاج العام، وفهم التحولات الاجتماعية قبل أن تتحول إلى فجوات يصعب ردمها.

فالقرن الحادي والعشرون لا يكافئ الدول التي تمتلك أفضل الخطط على الورق، بل الدول التي تمتلك أفضل أنظمة الاستشعار المجتمعي، والأسرع في التقاط الإشارات المبكرة للتغيير، والأكثر قدرة على تحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى أثر.

وفي عالم تتغير فيه المجتمعات أسرع من المؤسسات أحيانًا، تصبح القدرة على الفهم ميزة إستراتيجية لا تقل أهمية عن الاقتصاد أو الأمن أو التكنولوجيا.

فالدول القوية لا تُقاس فقط بحجم مواردها، بل بقدرتها على قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات، وعلى فهم المجتمع قبل محاولة قيادته، وعلى بناء السياسات انطلاقًا من الواقع كما هو، لا كما كان.

لقد أصبح التحدي الأكبر أمام الحكومات والنخب والأحزاب والمؤسسات العامة ليس إقناع الناس بما تفكر به، بل فهم ما يفكر به الناس أولًا.

فكل فجوة في الفهم تتحول مع الوقت إلى فجوة في الثقة، وكل فجوة في الثقة تتحول إلى فجوة في التأثير، وكل فجوة في التأثير تُضعف قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات مهما كانت جودتها.

ولهذا فإن السؤال الإستراتيجي الأهم الذي سيحدد قدرة الأردن على النجاح في العقد القادم ليس:هل نملك الخطط والرؤى والإصلاحات؟هل نمتلك القدرة المؤسسية على فهم مجتمع يتغير بالسرعة نفسها التي يتغير بها العالم؟لأن أزمة القرار يمكن تصحيحها.

وأزمة السياسات يمكن مراجعتها.

وأزمة البرامج يمكن تطويرها.

أما أزمة الفهم، فعندما تتراكم بصمت، فإنها تصبح الأصل الذي تتفرع عنه معظم الأزمات الأخرى.

فالدول لا تُفاجأ بالأزمات حين تقع.

بل تُفاجأ بأنها لم تلتقط الإشارات التي كانت تنذر بها منذ وقت طويل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك