مع بدء التحضير لموازنة عام 2027، تبرز الحاجة إلى رصد مخصصات مالية لصالح صندوق الضمان الاجتماعي لدعم شمول العاملين والعاملات في القطاعات الاقتصادية الأكثر هشاشة وغير المنظمة.
وهذا لا ينبغي النظر إليه كإنفاق جارٍ أو عبء إضافي على الخزينة، بل كاستثمار اجتماعي واقتصادي في حماية القوى العاملة، وتصحيح اختلالات سوق العمل، وتحويل العمل غير المنظم تدريجياً إلى عمل منظم.
اضافة اعلانتكشف فجوة الشمول في الضمان الاجتماعي، حيث إن ما يقارب 53 بالمئة من القوى العاملة غير مشمولين بالمنظومة، عن تحدٍ اجتماعي واقتصادي واسع، إذ يواجه أكثر من نصف العاملين والعاملات مخاطر المرض، وإصابات العمل، والتعطل، وفقدان الدخل، والشيخوخة من دون حماية تأمينية كافية، ما يجعل أسرهم أكثر عرضة للانتقال من هشاشة العمل إلى الفقر عند أول أزمة.
لذلك، ينبغي أن تبدأ الحكومة في موازنة العام القادم برصد مخصصات مالية، ولو محدودة في مرحلتها الأولى، لدعم شمول العاملين والعاملات في القطاعات الهشة، على أن تزداد هذه المخصصات تدريجياً ضمن خطة واضحة ومعلنة، بما يحولها إلى مسار وطني مستدام لتوسيع الحماية الاجتماعية وتنظيم سوق العمل.
ويمكن توجيه هذه المخصصات لدعم شمول العاملين والعاملات ذوي الدخل المنخفض، والعاملين لحسابهم الخاص، والعمالة الموسمية، ومساعدة المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر على إدخال العاملين لديها في منظومة الضمان الاجتماعي.
وبهذا لا تكون هذه المخصصات دعماً عابراً، بل استثماراً في تنظيم سوق العمل، وتحويل العمل غير المنظم إلى منظم، وتوسيع قاعدة المشتركين، وحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للعاملين والعاملات.
كما أن توسيع الشمول في الضمان الاجتماعي يعزز الحماية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي للأسر، ويحد من هشاشة الدخل، ويرفع ثقة العاملين والعاملات بسوق العمل.
وعلى المدى الاستراتيجي، يسهم في تخفيف الضغوط على صندوق المعونة الوطنية، لأن الأسر المشمولة بحماية تأمينية تكون أقل عرضة للفقر المزمن والاعتماد طويل الأمد على المساعدات.
ويتسق هذا التوجه مع أهداف الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، التي تدعو إلى بناء منظومة أكثر شمولاً وعدالة، لا تكتفي بالتعامل مع الفقر بعد وقوعه، بل تعمل على الوقاية منه وتقليل مخاطره.
كما ينسجم مع البرنامج الوطني للعمل اللائق الأخير الذي جرى توقيعه بين الحكومة ومنظمة العمل الدولية قبل ما يقارب شهرين، إذ لا يمكن الحديث عن العمل اللائق من دون ضمان اجتماعي فعلي يشمل الفئات الأكثر هشاشة في سوق العمل.
يمكن أن تشكل موازنة 2027 بداية عملية لهذا التحول، من خلال تخصيص مخصصات مالية لصندوق الضمان الاجتماعي تساعد في تحمل جانب من كلفة إصلاح منظومة الضمان الجاري العمل عليها.
فهذه الخطوة ستبعث برسالة واضحة مفادها أن الحكومة تنظر إلى الضمان الاجتماعي بوصفه أداة لتنظيم سوق العمل، وتعزيز العدالة، وحماية الناس، لا مجرد نظام اشتراكات محصور بمن يستطيعون الوصول إليه.
فالاقتصاد لا يصبح أكثر قوة بمجرد ارتفاع أرقام النمو، بل عندما يصبح العمل أكثر تنظيماً، والعاملون والعاملات أكثر حماية، والأسر أقل هشاشة أمام الأزمات.
ومن هنا، يمكن لهذه المخصصات أن تمثل خطوة تأسيسية نحو منظومة حماية اجتماعية أكثر عدالة واستقراراً في الأردن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك