منذ أكثر من عشرين عاماً، يشكل البرنامج النووي الإيراني أحد أكثر الملفات تعقيدا في العلاقات الدولية.
وعلى الرغم من جولات التفاوض المتعددة، والعقوبات الاقتصادية الواسعة، والاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015، لم تتمكن الأطراف المعنية من الوصول إلى تسوية مستقرة تنهي الجدل حول طبيعة البرنامج ومستقبله.
اضافة اعلانفي جوهر القضية، لا يدور الخلاف حول حق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي، فذلك حق تكفله معاهدة عدم الانتشار النووي للدول الأعضاء.
لكن الإشكالية الحقيقية تتعلق بمستوى الثقة في طبيعة هذا البرنامج، وبمدى قدرة منظومة الرقابة الدولية على ضمان بقائه ضمن الأهداف المدنية وعدم تحوله في أي مرحلة إلى مشروع ذي أبعاد عسكرية.
منذ الكشف عن أنشطة نووية إيرانية غير معلنة عام 2003، دخل الملف مرحلة طويلة من الشكوك المتبادلة.
فبينما أصرت طهران على أن برنامجها مخصص لإنتاج الطاقة والأبحاث العلمية، اعتبرت القوى الغربية أن بعض الأنشطة ومستويات التخصيب المرتفعة تثير تساؤلات مشروعة حول الأهداف النهائية للبرنامج.
وخلال السنوات اللاحقة، تحولت المفاوضات إلى مسار دائم لإدارة الأزمة أكثر من كونها وسيلة لإنهائها.
فقد تمسكت إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها باعتباره جزءاً من سيادتها الوطنية، في حين سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى وضع قيود تمنع اقترابها من العتبة النووية التي قد تسمح بإنتاج سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة.
العقوبات الاقتصادية لعبت دوراً رئيسياً في تشكيل مسار الأزمة.
فمع تراجع صادرات النفط وارتفاع معدلات التضخم والبطالة وتدهور قيمة العملة الإيرانية، أصبح الملف النووي قضية داخلية بقدر ما هو قضية خارجية.
وقد انعكس ذلك بوضوح على الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2013، التي أوصلت حسن روحاني إلى السلطة على أساس برنامج ركز على تخفيف العقوبات وإعادة الانفتاح على المجتمع الدولي.
أنتجت تلك المرحلة الاتفاق النووي لعام 2015، الذي مثل محاولة للتوفيق بين متطلبات الأمن الدولي وحق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي.
ونص الاتفاق على تقييد مستويات التخصيب وتعزيز الرقابة الدولية مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية.
لكن الاتفاق كشف لاحقاً عن نقطة ضعف أساسية، تمثلت في اعتماده على التوافق السياسي أكثر من اعتماده على توافق إستراتيجي طويل الأمد بين الأطراف.
فعندما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 وأعادت فرض العقوبات، تراجع الالتزام المتبادل، وعادت الأزمة إلى الواجهة بوتيرة أكبر من السابق.
ومنذ ذلك الحين، دخل الملف النووي مرحلة جديدة اتسمت بتراجع الثقة، وتوسع الأنشطة النووية الإيرانية، وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية.
كما شهدت المنطقة خلال عامي 2025 و2026 تطورات عسكرية غير مسبوقة شملت استهداف منشآت مرتبطة بالبنية التحتية النووية الإيرانية، الأمر الذي فرض واقعاً جديداً على جميع الأطراف.
ورغم أن الضربات العسكرية ألحقت أضراراً بالبرنامج النووي الإيراني وأثرت في بعض قدراته التشغيلية، فإنها لم تنه الأزمة.
بل أعادت التأكيد على أن الحل العسكري وحده غير قادر على معالجة جذور الخلاف، وأن أي استقرار طويل الأمد ما يزال يتطلب إطاراً سياسياً وتفاوضياً جديداً.
وفي هذا السياق، عادت المفاوضات إلى الواجهة بدعم من وسطاء إقليميين ودوليين، وسط حديث عن تفاهمات تتضمن استمرار التخصيب ضمن حدود محددة، وتوسيع التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورفعاً تدريجياً للعقوبات، مقابل ضمانات تتعلق بعدم تطوير سلاح نووي.
ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: لماذا لم يُحسم الملف حتى الآن؟يمكن تفسير ذلك بأن البرنامج النووي الإيراني لم يعد مجرد مشروع تقني أو اقتصادي، بل أصبح جزءاً من معادلة النفوذ الإقليمي والمكانة الدولية.
فمن وجهة النظر الإيرانية، يمنح الاحتفاظ بقدرات نووية متقدمة هامشاً أكبر من التأثير السياسي والاستراتيجي، حتى دون امتلاك سلاح نووي فعلي.
كما يوفر الملف ورقة تفاوضية مهمة في العلاقات مع القوى الكبرى.
في المقابل، تنظر الدول الغربية إلى هذه المقاربة باعتبارها عاملاً يكرس حالة الغموض ويصعب بناء الثقة الكاملة بشأن مستقبل البرنامج.
ولذلك بقيت إيران لسنوات في موقع وسط بين الدولة النووية والدولة غير النووية، وهو وضع ساهم في استمرار الأزمة دون حسم نهائي.
ورغم أن التفاهمات الجديدة تشبه في بعض جوانبها اتفاق 2015، فإن البيئة السياسية المحيطة بها تبدو مختلفة نسبياً.
فقد أظهرت التجربة السابقة أن الطرف الأكثر تأثيراً في مصير الاتفاق كان الولايات المتحدة.
فعلى الرغم من استمرار التزام بقية الأطراف ببنود الاتفاق بعد عام 2018، فإن الانسحاب الأميركي كان العامل الحاسم في إضعافه وفقدانه لجزء كبير من فاعليته.
اليوم تبدو الصورة مختلفة إلى حد ما، إذ إن القوى السياسية الأميركية التي كانت وراء الانسحاب من الاتفاق السابق أصبحت جزءاً من عملية صياغة الترتيبات الجديدة.
وهذا قد يمنح أي اتفاق مقبل قدراً أكبر من الاستقرار السياسي داخل الولايات المتحدة، ويقلل من احتمالات تكرار سيناريو الانسحاب الأحادي الذي أطاح بالتجربة السابقة.
كما أن إيران تمتلك بدورها دوافع قوية للحفاظ على أي تفاهم مستقبلي.
فالاقتصاد الإيراني يحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح بإعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات وتخفيف آثار العقوبات المتراكمة.
كذلك يمنح نجاح المسار التفاوضي القيادة الإيرانية فرصة لإثبات قدرتها على تحقيق مكاسب إستراتيجية عبر الدبلوماسية والحوار.
لذلك، فإن فرص استدامة أي اتفاق جديد قد تكون أكبر من السابق إذا توافرت إرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين الرئيسيين.
فالتجربة الماضية أثبتت أن المشكلة لم تكن في التفاصيل الفنية للاتفاق بقدر ما كانت في غياب الضمانات السياسية الكفيلة بحمايته من التحولات الداخلية والتغيرات الإقليمية.
وفي النهاية، لا يتعلق مستقبل الملف النووي الإيراني بمستويات التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي فقط، بل بطبيعة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، وبمستقبل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، وبقدرة الأطراف المختلفة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها.
وحتى يتحقق ذلك، سيظل الملف النووي الإيراني أحد أكثر ملفات المنطقة حساسية وتأثيراً في السنوات المقبلة.
*باحثة مختصة بالشأن الإقليمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك