تحت عنوان" هندسة الهدنة الشائكة - كيف تعيد الاتفاقية الأمريكية الإيرانية رسم خريطة الشرق الأوسط؟ "، تناول المجلس الأطلسي، ومقره واشنطن، دلالات الإعلان عن توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران كنقطة تحول جيوسياسي أعادت خلط الأوراق في منطقة الشرق الأوسط وخارجها.
فبعد" حرب المئة يوم" التي حبست أنفاس العالم وهددت بجر المنطقة إلى مواجهة شاملة، جاء الإعلان برعاية الرئيس دونالد ترامب لفتح مضيق هرمز كطوق نجاة مؤقت.
وينظر الخبراء لهذه التفاهمات المرحلية المكونة من 14 بندا كسطر أول في كتابة حقبة جديدة من العلاقات الإقليمية، لكنها تظل محفوفة بالشكوك والألغام السياسية.
الخليج العربي: تنفس الصعداء خلف دروع الحذربالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، جاءت الاتفاقية بمثابة إنقاذ اقتصادي وأمني عاجل؛ فرفع" الحصار المزدوج" عن المضيق يعني عودة التدفق السلس لإمدادات الطاقة التي تضررت بشدة جراء الصراع.
غير أن هذا الارتياح الخليجي يبدو مشوبًا بحذر شديد.
ويرى خبراء المجلس الأطلسي أن العواصم الخليجية، رغم ترحيبها بالدور الوسيط لقطر وعمان، لا تعتزم الاندفاع نحو تقارب مجاني مع طهران.
إن الهدف الخليجي الأسمى يكمن في استغلال الـ 60 يومًا القادمة من المفاوضات للدفع نحو اتفاقية شاملة موسعة (JCPOA-plus) تضمن، إلى جانب التهدئة، كبح جماح الصواريخ البالستية الإيرانية والحد من نفوذ الفصائل المسلحة.
إسرائيل والجبهات المشتعلةتقف إسرائيل في موقع المشكك الأكبر والرافض الضمني لهذه التفاهمات.
فرغم أن المذكرة فرضت جمودًا عسكريًا فوريًا على كافة الجبهات، بما في ذلك الحدود اللبنانية، إلا أن تل أبيب ترى في تجميد الملف النووي وتأجيل تفكيك منشآت التخصيب الإيرانية خطرًا داهمًا.
ويشير المجلس الأطلسي إلى أن القيادة الإسرائيلية تشعر بالقلق من أن تمنح هذه الهدنة طهران" قبلة حياة" اقتصادية دون تقديم تنازلات حقيقية في مشروعها النووي، مما قد يدفع إسرائيل إلى استخدام أوراق ضغطها الدبلوماسية والعسكرية لتعطيل صياغة الاتفاق النهائي إذا أخفقفي تلبية شروطها الأمنية الصارمة.
ما وراء البحار: الاقتصاد العالمي والتوازنات الكبرىخارج حدود الشرق الأوسط، أحدثت العبارة الشهيرة" دعوا النفط يتدفق" صدمة إيجابية فورية في الأسواق العالمية، حيث هبطت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر، مما منح الاقتصاد الدولي، وخاصة الدول المستوردة للطاقة في أوروبا وآسيا، متنفسًا ضروريًا لمواجهة التضخم.
أما بالنسبة للقوى الكبرى مثل الصين وروسيا، فإن المشهد يبدو معقدًا؛ فبينما ترحب بكين باستقرار الملاحة في هرمز لتأمين تجارتها، فإنها تراقب بحذر أي تقارب محتمل بين واشنطن وطهران قد يغير خريطة التحالفات الإستراتيجية في المنطقة.
يجمع خبراء المجلس الأطلسي على أن هذه الاتفاقية هي أفضل سيناريو متاح لوقف نزيف حرب كارثية، لكنها تظل هدنة هشة للغاية فوق أرضية مهتزة.
إن الأيام الستين المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي للدبلوماسية؛ فإما أن تنجح الأطراف في معالجة الجذور العميقة للأزمة، وعلى رأسها الطموح النووي الإيراني والسلوك الإقليمي، أو أن المنطقة ستستيقظ مجددًا على دوي مدافع حرب أشد ضراوة بعد انقضاء المهلة المؤقتة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك