رغم تكرار السلطات السودانية الحديث عن تهيئة البيئة وإزالة آثار الحرب من العاصمة الخرطوم، وضرورة عودة النازحين واللاجئين، لكن واقع العاصمة يكشف حالة مغايرة لما يتردد من تصريحات حكومية، فالخدمات شبه غائبة، والطرق متضررة، بينما تنتشر قبور مجهولي الهوية من ضحايا الحرب في الشوارع والأحياء.
دُفِن المئات من ضحايا الحرب السودانية في مقابر عشوائية داخل أحياء العاصمة الخرطوم، وناشد الأهالي السلطات الطبية والعدلية حصر تلك القبور، ونقِلت الجثث بعيداً عن الأحياء السكنية.
ورغم الشكاوى المتعددة والمناشدات الشعبية، تقف السلطات عاجزة عن التعرف إلى الجثث، أو نقلها من الميادين وشوارع الأحياء السكنية إلى المقابر العامة.
ويشكل انتشار القبور في أحياء الخرطوم السكنية حاجزاً نفسياً يحول دون عودة كثير من الأسر إلى منازلها، ويعزز الشكوك حول عدم جاهزية السلطات لاحتواء الأزمة التي أصبحت تؤرق السكان، خصوصاً مع اقتراب حلول فصل الخريف، وتوقعات هطول أمطار غزيرة في ظل الدمار الواسع للبنية التحتية ومجاري تصريف المياه.
ويخشى السكان أن تجرف مياه الأمطار القبور الضحلة القائمة في الميادين والطرقات، وتبعثر الرفات البشرية في الشوارع، لتتحول إلى مصدر تهديد صحي إضافي، ما ينذر بانتشار الأمراض والأوبئة في المدينة التي شهدت عدداً من الكوارث الصحية خلال سنوات الحرب، تنوعت بين تفشي الكوليرا والملاريا وحمى الضنك.
في المقابل، جدد رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، في وقت سابق، دعوته النازحين واللاجئين إلى العودة إلى منازلهم في الخرطوم، مؤكداً اكتمال تأهيل المرافق الخدمية وتأمين المدينة.
وقال في أثناء تفقد سوق السجانة الشهير بالعاصمة، إن" الخدمات أصبحت متوفرة، والبيئة مناسبة لعودة المواطنين إلى منازلهم".
يقع حيّ الديم على بعد أقل من ثلاثة كيلومترات من" سوق السجانة"، وأرسل سكانه مناشدات عدة إلى وزارة الصحة وهيئة الطب العدلى، مطالبين بتحديد هوية أكثر من مائة جثة مدفونة في قبور عشوائية داخل ميدان الحي المكتظ بالسكان.
وأوضح الأهالي في آخر مناشدة لهم، في 22 إبريل الماضي، أنهم تمكنوا من نقل الجثامين المتعرف إليها إلى مقابر نظامية قريبة، بينما هناك نحو 100 قبر مجهول الهوية.
وقال أحد سكان الحيّ، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لـ" العربي الجديد": " إلى جانب القبور الفردية الكثيرة، يوجد عدد من المقابر الجماعية التي تضم عشرات الجثث مجهولة الهوية، والتي دفنت في أثناء فترة سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة، وبعضها قد يكون لجنود من طرفي الحرب، أو معتقلين ماتوا في السجون، وننتظر أن تأتي الجهات المسؤولة لنقل الجثامين إلى المقابر العامة.
بعد مناشدات، حضرت هيئة الطب العدلي، لكنها لم تفعل شيئاً، وتحججت بضعف الإمكانات التي تمكنها من نبش القبور وإجراء الفحوص اللازمة".
في أمبدة، غرب الخرطوم، تنتشر المقابر العشوائية لقتلى الحرب، ويقول سيف الدين أحمد لـ" العربي الجديد: " معظم القبور لقتلى القصف العشوائي الذين كانوا يسقطون يومياً في أثناء القتال الذي استمر لأكثر من عامين، إذ كان السكان يدفنون الجثث، وهي في معظمها لأشخاص مجهولي الهوية، ومنذ انتهاء الحرب في العاصمة، كنا نتوقع أن تسارع السلطات إلى جمع الجثث، ونبش القبور العشوائية في الميادين والطرقات، ونقل الجثامين إلى المقابر العامة.
لكن لم تتحرك السلطات بعد رغم تكرار المناشدات".
ويضيف أحمد: " مع قرب فصل هطول الأمطار، وزيادة وتيرة عودة النازحين، أصبح من الضروري أن تقوم هيئة الطب العدلي والنيابة بتحديد أماكن القبور، وجمع الجثامين بأسرع وقت، لأن التأخير يزيد من قلق المواطنين الذين يعيشون حالة توجس دائم من وجود القبور في وسط الأحياء وفي الميادين العامة، كذلك يخشون من التداعيات الصحية والتبعات القانونية، فيما تقتصر الاستجابة الرسمية على نقل رفات قليلة بين فترة وأخرى".
وفي 26 إبريل الماضي، أعلنت محلية الخرطوم استئناف نقل رفات قتلى الحرب، وتمكنت من نقل 93 جثة من مقابر عشوائية في مناطق الميناء البري، وحي جبرة، بالتنسيق مع هيئة الطب العدلي التابع لوزارة الصحة المحلية.
وقال المدير التنفيذي لمحلية الخرطوم، عبد المنعم البشير لوكالة الأنباء الرسمية" سونا": " نبش القبور ونقل الجثث إلى المقابر العامة جرى في إطار توجيهات اللجنة العليا لتهيئة البيئة، واستعداداً لعودة المواطنين إلى الولاية.
تتواصل عمليات نقل الرفات في جميع الوحدات الإدارية وفق الحصر الذي جرى بواسطة اللجنة المختصة ولجان الخدمات بالأحياء، والأولوية للمناطق السكنية، والمدارس، ومحيط المساجد والأسواق، والميادين والشوارع الرئيسة، والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ومن ثم الانتقال إلى بقية المواقع.
نأمل اكتمال العملية في المناطق المستهدفة كافة قبل حلول فصل الخريف".
ويشكو سكان محلية بحري ومناطق محلية شرق النيل من وجود المقابر في الميادين.
يقول ياسر مبارك لـ" العربي الجديد": " هناك قبور كثيرة في مناطق مختلفة، بعضها منذ بدء الحرب، ومع تزايد عودة السكان وزيادة الحركة والأنشطة يفترض نقلها إلى المقابر العامة بعد تحديد أصحابها، في ظل فقدان آلاف المدنيين الذين لا يعرف مصيرهم، ومن غير المستبعد أن يكون بعضهم ضمن القتلى في هذه المقابر".
وتؤكد تقارير وزارة الصحة بولاية الخرطوم أنها تعاملت مع جمع ونقل ما يزيد على 16 ألف جثة من طرقات المدينة وأحيائها المختلفة، بيد أنها لم تتمكن من نبش ونقل سوى عدد قليل من الجثث المدفونة في القبور العشوائية.
وقال مصدر طبي بهيئة الطب العدلي التابعة لوزارة الصحة المحلية لـ" العربي الجديد": " جمع الجثث من الطرقات كان أسرع من عملية نبش القبور، لأن هنالك جهات عدة، بعضها عسكري، شاركت في جمع الجثث من الطرقات، بينما عمليات نبش القبور تحتاج إلى مجهودات وإمكانات أكبر مما يتوفر لهيئة الطب العدلي".
وأوضح المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه: " يقدَّر عدد القبور العشوائية في ولاية الخرطوم بأكثر من خمسين ألفاً، إلى جانب عدد كبير من المقابر الجماعية التي يتوقع أن يكون في كل واحدة منها عدد كبير من الجثث، ومن أجل نبش كل هذا العدد وفق الإجراءات القانونية والطبية، يلزم توفير إمكانات مالية ولوجستية كبيرة.
أزمة هيئة الطب العدلي بولاية الخرطوم ليست جديدة، فقد توقفت جميع المشارح وثلاجات حفظ الموتى عن العمل منذ فترة طويلة، وعندما اندلعت الحرب لم تكن تعمل أي ثلاجة لحفظ الجثث في الخرطوم، وفي الوقت الحالي يتكفل متطوعون بدفن جثث مجهولي الهوية التي تصل إلى المستشفيات بعد إجراءات بسيطة تشمل حفظ متعلقات المتوفى، وتصويره".
بدوره، يرى المحامي إبراهيم عبد الكريم أن عدم جدية السلطات في نبش القبور أو التعرف إلى الجثث يتسبب في فقدان هوية آلاف الأشخاص الذين تبحث عنهم أسرهم.
ويقول لـ" العربي الجديد": " هناك أكثر من 70 ألف مفقود، وتقليص هذا العدد يقع على عاتق هيئة الطب العدلي ووزارة الصحة، وهما اللتان يفترض أن توفرا الإمكانات اللازمة للتعرف إلى الجثث ونقلها إلى الأماكن المخصصة لدفن الموتى، فتركها في وسط الأحياء السكنية له انعكاسات خطيرة على السلام المجتمعي والصحة العامة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك