تشهد أفغانستان معدلات مرتفعة للإنجاب، في ظاهرة ترتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية عدة، أبرزها الزواج المبكّر، وضعف فرص التعليم، وغياب الوعي الصحي، وأيضاً محدودية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية وتنظيم الأسرة في العديد من المناطق، كما أن العامل القبلي والنزاعات الأسرية يؤديان دوراً كبيراً في إنجاب عدد كبير من الأطفال.
يقول الزعيم القبلي الملا داد مهمند لـ" العربي الجديد": " بلدنا وطن النزاعات والحروب، وخلال العقود الأربعة الماضية خسر كثير من أقاربي أولادهم في الحروب والعنف، ولأنّ لهم أولاداً آخرين لم يبقوا من دون سند، لذا لا بدّ من إنجاب الأولاد بكثرة.
إلى ذلك نحن مزارعون نحتاج إلى قوة بشرية، والإنجاب بكثرة مفيد في هذا الجانب وضروري في هذا البلد".
وحول تبعات ظاهرة الإنجاب على النساء تحديداً والأسرة عموماً، تقول الدكتورة المتخصّصة في الأمراض النسائية شميم نجيب الله لـ" العربي الجديد": " يترك الحمل المتكرر والمتقارب زمنياً آثاراً صحية خطيرة ومدمّرة على النساء، إذ يؤدي إلى استنزاف الجسم وفقدان العناصر الغذائية الضرورية، كما يزيد احتمالات الإصابة بفقر الدم ومضاعفات الحمل والولادة.
أيضاً ترتفع مخاطر الولادة المبكرة ونقص وزن المواليد، وتزداد احتمالات وفاة الأمهات والأطفال في بعض المناطق النائية التي تعاني ضعف الخدمات الصحية.
وتتحدث شميم أنها تعالج فتاة لا يتجاوز عمرها الثلاثين، وهي أم لعشرة أولاد" يعتقد من يراها بأنها في السبعينيّات، فجسمها ضعيف كثيراً، وتعاني من مرض السكري ومرض ارتفاع الضغط ونقص الحديد، والسؤال المطروح: ماذا عن أولادها؟ تزوجت هذه الفتاة حين كانت في سن الـ15 عاماً فقط، وكان زوجها كبيراً دفع مالاً لأبيها كي يتزوجها، إذ كان لديه زوجة أخرى لم يُرزق بأولاد منها".
وتشير إلى أن" الحمل المتكرر من دون فترات راحة كافية يشكل خطراً حقيقياً على صحة المرأة، فالجسم يحتاج إلى وقت لاستعادة قوته بعد كل ولادة، وتكرار الحمل خلال فترات قصيرة قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة للأم والجنين معاً، والفتيات اللواتي يتزوجن في سن مبكرة يكنّ أكثر عرضة لهذه المخاطر بسبب عدم اكتمال نموهنّ الجسدي".
ولعل المشكلة الأساس أنّ المرأة الأفغانية لا يحق لها أن ترفع صوتها، ولا تستطيع أن تمنع الإنجاب حتى إذا أرادت ذلك، لأنها مرغمة على أن تفعل ما يريده الزوج.
وتروي رويا مجيدي، وهي أم لسبعة أطفال تعيش في ولاية سربل (شمال)، لـ" العربي الجديد" أنها واجهت صعوبات كبيرة مع كل حمل جديد، وكانت تشعر بأن جسدها يزداد ضعفاً عاماً بعد عام، لكن الظروف الاجتماعية وعدم توافر التوعية الصحية جعلا الحمل المتكرر أمراً طبيعياً بالنسبة إليها، وتقول: " بعد الحمل ثمّة عبء آخر هو تربية عدد كبير من الأطفال وسط أعباء اقتصادية واجتماعية كثيرة على الأسرة بتأثير ارتفاع تكاليف المعيشة، وهذا سبب توجه شبان نحو الإدمان وحمل السلاح".
أيضاً تتحدث بصيرة محمد، وهي امرأة في الثلاثينيّات، عن معاناتها مع الحمل المتكرر وما رافقها من مشكلات صحية متواصلة، وتقول لـ" العربي الجديد": " أثَّر التعب والإرهاق الدائمان على قدرتي على رعاية أطفالي وتنفيذ واجباتي اليومية، وتعاني نساء كثيرات في قريتي من الظروف نفسها".
من جهتها، ترى الناشطة الاجتماعية صفية وزيري أن المشكلة تتجاوز الجانب الصحي وتشمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية واسعة، وتخبر" العربي الجديد" أنّ" الأسر الكبيرة تواجه صعوبة في توفير التعليم والرعاية الصحية والغذاء لجميع الأطفال، ما ينعكس سلباً على مستقبلها والمجتمع.
وتعزيز تعليم الفتيات ونشر الوعي الصحي بين الأسر يمكن أن يساهما كثيراً في تحسين أوضاع النساء والأطفال".
ويُجمع أطباء وناشطون على أن معالجة ظاهرة الإنجاب المتكرر في أفغانستان تتطلب بذل جهود متكاملة تشمل تحسين الخدمات الصحية، وتوسيع برامج التوعية، وتعزيز تعليم المرأة، وتمكين الأسر من اتخاذ قرارات صحية مدروسة بشأن الإنجاب، والاستثمار في صحة المرأة وتعليمها لا ينفعها وحدها، بل ينعكس إيجاباً على الأسرة وكل المجتمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك