تختفي في بلادنا الأسئلة القديمة بعض الوقت تحت ركام الحروب والتسويات والتحوّلات الكُبرى، لكنّها لا تموت.
تعود فجأةً عندما ينطق بها لاعب كبير، أو عندما تهتزّ إحدى ركائز التوازن الإقليمي.
وقد يبدو طرح السؤال في عموميته تفصيلاً صغيراً، إلّا أنّه يمثّل ركناً أساسياً في أيّ مشهد جديد سواء على صعيد حدوثه أم عدم حدوثه.
هكذا عاد الحديث عن سورية ولبنان بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب بخصوصهما.
وفجأة، وجدنا أنفسنا أمام سؤال اعتقدنا أنّ التاريخ تجاوزه: هل يمكن أن تعود سورية إلى لعب دور مباشر في لبنان؟ وليست أهمّية السؤال في احتمالات تحقّقه، وإنّما في دلالات طرحه من جديد.
إدراك متزايد لـ" دوائر القرار السورية" بأنّ النفوذ الذي يحتاج إلى وجود عسكري أو أمني دائم يتحوّل مع الزمن إلى عبء أكثر ممّا يتحوّل إلى مكسبتمرّ العلاقات بين دمشق وبيروت منذ سقوط نظام الأسد بمرحلة مختلفة عن كلّ ما عرفه البلدان منذ تأسيسهما.
الزيارات المتبادلة، واللقاءات الرسمية، ومحاولات معالجة الملفّات العالقة، كلّها تعكس حالة من جسَّ النبض، والحديث عن السعي إلى بناء علاقة جديدة بين دولتَين خرجتا من زلازل سياسية وأمنية عميقة.
لهذا السبب، تبدو العودة إلى السؤال القديم كأنّها عودة إلى عالم لم يعد قائماً.
ارتبط الحضور السوري في لبنان تاريخياً بفكرة الاستقرار الإقليمي.
لطالما روّجت" سورية الأسد" أنّ أمنها العميق يبدأ من بيروت، وأنّ الفوضى اللبنانية قادرة على العبور إلى الداخل السوري كما تعبر المياه بين القنوات المتّصلة.
أعتقد أنّ هذا التصوّر لم يكن سورياً فحسب، بل كان جزءاً من رؤية عربية ودولية حكمت مرحلةً كاملةً من تاريخ المنطقة.
امتلكت سورية الأسد يومها فائض قوّة يسمح لها بإدارة ملفّات تتجاوز حدودها (ليس الجولان من بينها).
تزامن هذا مع بيئة عربية ودولية تتعامل مع هذا الدور بوصفه جزءاً من معادلات التوازن الضرورية.
أمّا اليوم، المشهد مختلف جذريّاً.
سورية الحالية منشغلة بإعادة تعريف نفسها أكثر من انشغالها بإعادة تعريف النفوذ؛ الأولوية عندها، كما تقول، تتركّز في إعادة بناء المؤسّسات، واستعادة الاقتصاد، وترميم المجتمع بعد سنوات طويلة من الاستنزاف.
يرافق هذا كلّه أنّها عندما تنظر إلى محيطها، فإنّها ترى سلسلة من الأزمات المفتوحة أكثر ممّا ترى فرصاً لتوسيع المجال العسكري أو الأمني.
من هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم سرعة الموقف السوري في التعبير عن رفض أيّ حديث عن تدخّل محتمل في لبنان، فالقضية لا تتعلّق بنفي خبر أو الردّ على تكهّنات إعلامية، وإنّما بالتعبير عن تصوّر جديد للدور السوري نفسه.
يبدو أنّ هناك إدراكاً متزايداً فيما يمكن تسميتها" دوائر القرار السورية" بأنّ النفوذ الذي يحتاج إلى وجود عسكري أو أمني دائم يتحوّل مع الزمن إلى عبء أكثر ممّا يتحوّل إلى مكسب، وأنّ الدولة التي تحاول النهوض من أزماتها الكُبرى لا تستطيع أن تحمل أزمات جديدة فوق أكتافها.
ومع هذا، يبقى مستحيلاً تجاهل لبنان أو التعامل معه شأناً خارجياً عادياً مستحيلاً.
فالجغرافيا أقوى من الرغبات السياسية.
والحدود بين دمشق وبيروت لم تكن يوماً مجرّد خطّ في الخريطة.
هناك اقتصاد متداخل، مجتمعات متداخلة، مسارات أمنية متشابكة، وذاكرة تاريخية طويلة تجعل ما يحدث في بيروت قضيةً ذات تأثير مباشر في دمشق، والعكس صحيح.
ولهذا؛ لا يتعلق السؤال الحقيقي بالتدخّل من عدمه، وإنّما بالشكل الذي يمكن لسورية أن تحافظ عبره على مصالحها ومصالح لبنان الحيوية، من دون أن تتحوّل مرّةً أخرى إلى لاعب مسؤول عن إدارة المشهد اللبناني.
هنا تظهر المفارقة الأكثر إثارة في النقاش كلّه، فالتدخّل يحمل كلفةً هائلةً، والابتعاد الكامل يحمل كلفةً أخرى.
وبالتالي؛ فإنّ أيّ دور سوري مباشر داخل لبنان سيستحضر فوراً ذاكرةً ما زالت حاضرةً لدى اللبنانيين، وسيفتح نقاشاً حادّاً عن مرحلة لم يتحوّل تقييمها إلى سردية وطنية واحدة، كما أنّ انخراطاً من هذا النوع سيضع دمشق أمام تحدّيات سياسية واقتصادية وأمنية، وستجد نفسها مضطرةً إلى متابعة ما يجري في لبنان بوصفه جزءاً من بيئتها الاستراتيجية المباشرة.
وتبرز في عمق المشهد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يجب أن تُقرأ سيناريو محتملاً، بل إشارة إلى تحوّلات أوسع في ميزان القوى الإقليمي.
إنّها تكشف أنّ الشرق الأوسط الحالي دخل مرحلة إعادة توزيع الأدوار، وأنّ اللاعبين التقليديين يعودون إلى الطاولة بصور جديدة، لكنّها عودة على الإيقاع الأميركي والإسرائيلي في مكانٍ ما، ولا تعني في أيّ حال أنّ التاريخ يسير إلى الخلف.
فواشنطن لم تطرح فكرة تدخّل سوري في لبنان في لحظة قوّة سورية، وإنّما في لحظة ضعف لبناني.
والفارق بين الحالتَين جوهري.
فعلى امتداد تاريخ المنطقة، كانت التدخّلات الخارجية تُبرَّر عادةً بقدرة المتدخّل على فرض الاستقرار أو امتلاكه فائض قوّة يسمح له بإدارة الأزمات.
أمّا اليوم، يكشف مجرّد طرح الفكرة حجم القلق الدولي من هشاشة الوضع اللبناني أكثر ممّا يكشف حجم النفوذ السوري.
بمعنى آخر، الحديث عن سورية هنا لا يقول كثيراً عن دمشق، بقدر ما يقول كثيراً عن بيروت.
فكلّما ضعفت الدولة اللبنانية عاد المجتمع الدولي إلى البحث في دفاتر الحلول القديمة، حتّى تلك التي كان يعتقد أنّها أُغلقت نهائياً.
في هذه الصورة، يحمل موقف حزب الله أهمّيةً خاصّةً، فترحيب أمينه العام بموقف" النظام" السوري في التملّص من دعوة ترامب لا يقع في خانة المجاملة السياسية، إذ قرأه نعيم قاسم رفضاً سورياً للانجرار إلى مواجهة مع المقاومة.
أمّا تصريحات ترامب، فيمكن قراءتها من زاوية أخرى أكثر اتساعاً؛ فالرجل الذي يتقن استخدام السياسة أداة لإنتاج الرسائل، يعرف أنّ الكلمات قادرة أحياناً على تحريك المشهد أكثر من الخطط نفسها.
ولذلك؛ قد يكون الهدف من إعادة طرح مسألة الدور السوري في لبنان (في جوهره) تذكير للأطراف المختلفة بأنّ الفراغ لا يدوم إلى الأبد، وأنّ التوازنات القديمة عندما تنهار تبحث دائماً عن قوى جديدة أو قديمة لملء المساحات الشاغرة.
لم تطرح واشنطن فكرة تدخّل سوري في لبنان في لحظة قوّة سورية، وإنّما في لحظة ضعف لبنانيغير أنّ الشرق الأوسط الذي خضع قبل عقود لصعود أدوار إقليمية واسعة لم يعد هو نفسه.
تغيّرت الدول، وتغيّرت المجتمعات، ومفهوم النفوذ نفسه تغيّر.
وما كان ممكناً في القرن الماضي يحتاج اليوم إلى أثمانٍ سياسية وأمنية واجتماعية لا تبدو أيّ دولة مستعدّة لدفعها.
لهذا كلّه، تبدو المسألة أبعد من سؤال عن تدخّل سوري محتمل في لبنان.
إنّها في الحقيقة قصّة تحوّل تاريخي أعمق.
قصّة انتقال دمشق من مرحلة كانت تُسأل فيها كيف تدير لبنان، إلى انشغالها بسؤال بناء سورية الجديدة.
وبين السؤالَين مسافة تختصر سنوات طويلة من الحروب والتحوّلات والانكسارات وإعادة التشكّل، والأهم: عدم الثقة بالواقع والمجتمع الدولي.
لهذا السبب تحديداً، لا يبدو المستقبل متّجهاً نحو عودة سورية إلى لبنان، وإنّما نحو ولادة صيغة مختلفة للعلاقة بين البلدَين؛ تنطلق من المصالح المشتركة، وعدم الوقوع في الفخّ الإسرائيلي، والإدراك بأنّ الاستقرار الحقيقي لا يُفرض من الخارج، وإنّما يُبنى من الداخل.
وعند هذه النقطة تحديداً يصبح السؤال القديم أقلّ أهمّيةً من السؤال الجديد: كيف يمكن لدمشق وبيروت أن تؤسّسا علاقة طبيعية للمرّة الأولى منذ عقود طويلة من التاريخ المضطرب؟ في ظلّ وجود مشروع" إسرائيل الكُبرى" التي تريد ابتلاع الجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك