للناشط الأميركي والإعلامي تاكر كارلسون وضيوفه في محاورات معهم مواقف وتصريحات عديدة سُجلت بالصوت والصورة لمصلحة الفلسطينيين وحقوقهم.
عُنونت الحرب في فضائه بصفتها الفعلية: جريمةَ إبادة جماعية، وشُدِّد على أركان الجريمة الأساسية من استهداف الأطفال والصحافيين والمُسعفين، والتدمير المنهجي للبنى التحتية، وتجويع الملايين ومحاصرتهم، بدءاً من غزّة، ثم في الضفّة الغربية وفي لبنان، بل في إيران أيضاً مرّات ومرّات عبر تلك المقابلات.
لا بدّ من تأكيد هذا لكي لا يبدو ما سيأتي من نقد إسفافاً.
ستتجاوز المقالة مواقف أخرى لكارلسون تفوق ذلك التضامن، من حيث إنّها تخرق قواعد النضال المشترك بانتهاجها فهماً عنصرياً للقضية الفلسطينية يُبنى عليه أفق مسدود للحلّ.
ولهذا مقامٌ آخر، تكفي الإشارة هنا إلى أنّ حتّى هذا الدور الدعائي المنسوب لكارلسون مقلوب على رأسه.
مشكلة كارلسون تكمن في خواء انتهازيته، فالسقف المرتفع في الكلام بلا معنى حقّاً إن لم يستشرف ويستحضر ما يحقّق مراميهمع انطلاق" 7 أكتوبر" (2023)، تعاطفت أغلبية بسيطة من الأميركيين مع حرب إسرائيل على غزّة.
وبانكشاف حجم الجريمة ومداولات المحاكم الدولية في ربيع 2024، تحوّل موقف تلك الأغلبية الأميركية، وبجهود الحركة الطلابية في الجامعات، إلى مناهضة الحرب.
هنا استضاف كارلسون الأب منذر إسحاق من بيت لحم في أوّل مقابلة مخصّصة لفلسطين.
بحلول خريف 2024، هبطت شعبية إسرائيل عموماً في الولايات المتحدة، وليس حربها فقط، إلى الثلث.
هنا بدأ كارلسون باستضافة أصوات صاخبة ضدّ إسرائيل من أتباع الاستعلاء الأبيض الذي لا يحمل تضامناً مع أحد.
وهنا أيضاً أسهمت حملات المقاطعة للانتخابات بسبب الحرب على غزّة في خسارة كامالا هارِيس الانتخابات الرئاسية، بل ارتفع عدد الحملات الانتخابية للكونغرس، التي ترفع شعارات مناصرة لفلسطين، إلى العشرات بعد أن كانت آحاداً في 2022.
في هذا العام، وقبل اندلاع العدوان على إيران، أصبحت شريحة الأميركيين التي تتعاطف مع الفلسطينيين على الإطلاق أكبر من تلك المتعاطفة مع إسرائيل.
أغلبية الديمقراطيين، وأغلبية الشباب (بمَن فيهم الأميركيون اليهود)، بل نسب متصاعدة من الشباب الجمهوريين والإنجيليين، تُشكّك في شرعية إسرائيل.
ارتفع عدد الحملات الانتخابية ذات الشعارات المناصرة لفلسطين/ الناقدة لإسرائيل في موسم الانتخابات التمهيدية الحالي إلى حدود الـ150.
وجاءت مقابلات كارلسون الأثيرة في هذا الخضمّ الأكبر الذي يقوده خصومه الليبراليون.
فمثلاً، وافق أغلب أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين في الكونغرس على حظر تزويد إسرائيل بالسلاح في إبريل/ نيسان الماضي.
ويبدو أن كارلسون، الذي نعته الرئيس الروسي بالأحمق في مقابلة معه في 2024، ينوي الترشّح للانتخابات الرئاسية في 2028.
لا نعلم ذلك من اقتراح مارغوري تايلور غرين وحسب، وهي أحد أقطاب المحافظين الأميركيين، بل من تطلّع كارلسون إلى مقابلة وسائل إعلام ليبرالية لطالما بغضها، ولكنّه يخطب بها ودّ جمهورها الليبرالي، وفلسطين، كما تفيد الإحصاءات أعلاه، ورقة رابحة في تلك الربوع وغيرها من المجتمع الأميركي.
بالمختصر، ليس كارلسون من يفيد فلسطين، بل باتت فلسطين مفيدةً لكارلسون الإعلامي وكارلسون السياسي.
ليست الانتهازية مشكلةً بحدّ ذاتها، بل في جعبة إسرائيل وأنصارها من الأوراق ما يتطلّب من الفلسطينيين كثيراً من الليونة في استقطاب الحلفاء، بمن فيهم الانتهازيون.
مشكلة كارلسون تكمن في خواء انتهازيته، فالسقف المرتفع في الكلام بلا معنى حقّاً إن لم يستشرف ويستحضر ما يحقّق مراميه.
قد يبدو هذا من غرائب القول، ولكن بعض أنفع الأصوات الأميركية للفلسطينيين ليست أشدّها حماسةً لحقوقهم، وهذا لأنّها تستشرف وتستحضر ما يدفع بالقضية الفلسطينية إلى الأمام وإن بشكل غير مباشر.
السيناتور بيرني ساندرز هو المثال الأوضح على هذا.
بنى صعوده في العقد الماضي إلى مركز السياسة في الولايات المتحدة ببرنامج رفاه اجتماعي مصحوب، في حينها، بصوت نقدي فريد عن إسرائيل في قمّة هرم السلطة في الولايات المتحدة.
إلا أنّ هذا الترميز الذي دشّنه كان مشوباً بفكرة مُؤسِّسة قاصرة، أنّ خلل إسرائيل الأساس قد وقع خلال مسيرتها عندما أبقت على ما احتلت في 1967، وليس بالضرورة أنّ جوهر الصراع تأسيس إسرائيل نفسها كياناً استعمارياً.
كَبَحَ هذا الفهم أيَّ تصوّر عن طبيعة الحلّ في فلسطين الذي يمكن لسياسي فريد من نوعه في الولايات المتحدة، من حيث انحيازاته ونجاحه في آن، أن يقدّمه، ويرضى به الفلسطينيون.
واجه ساندرز اعتراضات عديدة من طيف واسع من نشطاء القضية الفلسطينية وأنصارها في حملاته للانتخابات الرئاسية بشّان تعريف حدود القضية الفلسطينية، وواجه اعتراضاتٍ أشدّ في بداية هذه الحرب بإصراره على أنّ لإسرائيل حقّاً في الدفاع عن نفسها في هذه الحرب بحسب القانون الدولي، ومن ثمّ تأخّره كثيراً في قبول تهمة جريمة الإبادة الجماعية إلى أن صادق عليها تقريباً كلّ الخبراء القانونيين والأكاديميين، بانتظار حكم محكمة العدل الدولية النهائي بعد سنوات، ولا يزال يقول إنه يقبل هذا الاتهام على مضض (لأنّه يدعم الأطر المؤسّسية والقانونية التي أنتجته، وليس لأنّه يوافق بالضرورة على محتوى التقييم المهني نفسه).
ببساطة، ساندرز دائم التلعثم عندما يتعلّق الأمر بفلسطين، وليس صدّاحاً مثل كارلسون.
ولكن، ما يجعل خطّ ساندرز السياسي هذا أكثر نفعاً، وإن لم يشفِ غليل النشطاء الحلقات الكاملة التي يصوغها في السياسة الداخلية للولايات المتحدة وما سيترتب عن هذا بالنسبة إلى فلسطين، وإلى القائمة الطويلة لضحايا الولايات المتحدة، وليس بالضرورة ما يُقال وما يُقدم لفلسطين مباشرةً.
مواقف ساندرز السبّاقة قبل عقد أو مواقفه المتشنجة اليوم ليست إلا هوامش على متن موضوع آخر.
يكمن الجوهر في أنّ توسيع برامج الرفاه الاجتماعي الأميركية التي صاغها تيّار اليسار الاجتماعي بقيادة ساندرز، وباتت اليوم موضوع السياسة الأوّل في الولايات المتحدة، ستتطلّب زيادة في الضرائب، أو تحويراً في مجرى تمويل أمور أخرى، يتصدّرها الإنفاق الهائل على الحروب والعسكرة.
تواجه زيادة الضرائب عقبات جمّة.
أولاً، بلغ الأمر بدافعيها الفعليين من الطبقات الدنيا والوسطى إلى منتهاه من حيث استفحال اللامساواة في الدخول وتقلّص إعادة التوزيع، ولا متّسع لديهم لحمل المزيد من الأعباء، وبالتالي (ثانياً)، الأثرياء الأميركيون الذين ألقوا بهذه التكاليف على الطبقات الشعبية مع التحوّلات النيوليبرالية في سبعينيّات القرن الماضي ليسوا بصدد حملها مجدّداً، فالإمبريالية الأميركية لم تعد تأتي لهم بمنافع كلّية، ولا حتّى جزئية متساوية ليهبّوا جميعاً لنجدتها بقبول أحمال ضريبية، كالتي خبروها في القرن العشرين، ما بين 50 و90% على الدخول والثروات.
أذابت العولمة في نهاية القرن الفائت حاجة رأس المال لأن يضبط صفوفه خلف أيّ دولة.
تمدّد رأس المال الأميركي، وغيره أيضاً، داخل كلّ بقاع الأرض، فقلّص ما لأيّ حكومة من قدرة على ضبط جميع النُّخب وإجبارها على أيّ برنامج موحّد، سواء إمبريالي أو اجتماعي.
يُحجِم، بالتالي، رأسماليون عديدون عن سياسات إمبريالية مكلفة ولا تعنيهم في شيء، ولكن عدداً آخر منهم سيجد مصالح استعمارية هنا وهناك، كتجّار الأسلحة والمعادن، على سبيل المثال، الذين قد يتوجّهون إلى تمويل شركات استعمارية خاصّة، مثل" بلاك ووتر" التي ظهرت إبّان الحرب على العراق، لتصير الإمبريالية الأميركية كما كانت البريطانية في أوجها في القرن التاسع عشر، مخصخصة، ومموّلةً بالقطعة، وتتصارع مع نفسها، وتنفض أحمالها الزائدة على عجل.
ليس كارلسون من يفيد فلسطين، بل إنّ فلسطين باتت مفيدةً لكارلسون الإعلامي ولكارلسون السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك