رغم ما يبدو في مذكّرة التفاهم المُبرَمة بين طهران وواشنطن من تركيز على الجانبين، السياسي والعسكري، لإنهاء الحرب، إلّا أنّ الاقتصاد هو الحاضر بقوّة في مضمونها وفي دوافع الطرفين وراء التوصّل إلى اتفاق.
فأحد أهم دوافع الولايات المتحدة وراء سعيها إلى وقف العمليات العسكرية ارتفاع أسعار النفط عالمياً بصورة تهدّد بأزمة قد تضرب اقتصادات الدول الصناعية وتصيبها بالشلل، بينما الوضع في الجانب الإيراني أشدّ سوءاً على خلفية وضع اقتصادي صعب ازداد تأزّماً بفعل ضرباتٍ عسكريةٍ عنيفة أصابت أهدافاً حيوية وبنية تحتية وحجّمت بشدّة عائدات تصدير الطاقة، وهي أكبر مصادر الدخل الإيرانية، إذ وصلت الخسائر الاقتصادية الإيرانية إلى نحو 300 مليار دولار، بما فيها تقلّص المداخيل بسبب تراجع صادرات النفط من 1.
5 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى نحو مائة ألف برميل يومياً فقط.
رغم أهمّية قطاع الصناعة، هيكل الاقتصاد الإيراني قائم أساساً على عوائد النفط والغاز، من خلال تصدير الخام أو المشتقّات المكرَّرة.
ولأنّ قطاع الطاقة استخراجي أكثر منه صناعي، ومحدود العمالة، لا يخدم الاقتصاد القائم على الطاقة قطاع الصناعة والإنتاج سوى في نطاق صناعة البتروكيماويات.
ولذلك، يعاني الاقتصاد الإيراني نسبة بطالة مرتفعة تزيد على 15% بين الإيرانيين في سنّ العمل، وتتجاوز 21% لشريحة الشباب (تحت 25 عاماً).
وليس من المتوقّع أن يساعد الشقّ الاقتصادي في الاتفاق مع واشنطن على خفض معدّل البطالة أو زيادة مجالات العمل وفرصه، لقصور هيكل الاقتصاد نفسه عن استيعاب تلك الأعداد من العاطلين، إذ يستقطب قطاع الخدمات نحو 55% من العمالة الإيرانية، فيما يستوعب قطاع الصناعة أقلّ من 35%، يتركّز معظمهم في البتروكيماويات، وصناعة السيارات في المرتبة الثانية، وهي أيضاً ليست كثيفة العمالة.
وعلى الرغم من توالي الخطط الخمسية، لا توجد خطط واضحة في إيران للتوسّع الصناعي بسبب التركيز على الصناعات العسكرية والبحث العلمي، فضلاً عن توجيه مخصّصات مالية ضخمة للوكلاء الخارجيين (حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثيون في اليمن).
أمّا تعويضات إعادة الإعمار التي ستحصل عليها إيران بموجب التفاهم المشروط مع واشنطن، وتصل إلى نحو 300 مليار دولار بالإضافة إلى مائة مليار دولار من أرصدة مجمَّدة؛ فستوجَّه إلى إعادة الإعمار وتعويض الخسائر الكبيرة في المنشآت والبنية التحتية.
أي إنّ تلك الأموال لن تصبّ في مشروعات جديدة تسهم في تطوير هيكل الاقتصاد الإيراني.
كما من المرجّح أن تخضع تلك الأموال لرقابة خارجية، حتّى لا توجَّه إلى استئناف أنشطة نووية غير مُعلَنة، سواء مباشرة من الدول المانحة، أو عبر تحويلها إلى عقود وتعهّدات عينية.
وفي الوقت نفسه، لم تتضمّن مذكّرة التفاهم توقيتات محدّدة لذلك الجانب الاقتصادي، على خلاف الإجراءات العسكرية الخاصّة بإنهاء الحرب ورفع الحصار.
وبما أنّ الالتزام الأساس في الشقّ الاقتصادي يقع على الولايات المتحدة، فالمتوقَّع لجوء إدارة ترامب عند التنفيذ إلى المراوغة وإطالة الوقت وتوزيع القيمة المقرَّرة على دفعات، خصوصاً أنّ تلك هي الورقة المتبقّية في يد واشنطن بعد أن ترفع الحصار البحري وتبدأ بسحب قطعها البحرية من مدخل الخليج.
وسيسهل على النظام في إيران ترويج الاتفاق المبدئي مع واشنطن بوصفه نصراً كبيراً، وإقناع الرأي العام الإيراني بأنّ إعادة الإعمار جزء من ذلك النصر، خصوصاً أنّ نشاط حركة الإنشاءات وترميم البنية التحتية المُدمَّرة سيزيدان من فرص العمل، وإن بصورة محدّدة، ما سيساعد النظام الإيراني على احتواء المطالب الشعبية والاستفادة من مزيّة انتهاء الحرب في تعزيز شرعيته الداخلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك