روسيا اليوم - مفاوضات ماراثونية بين واشنطن وطهران في سويسرا.. لبنان وهرمز والاتفاق النووي على الطاولة الجزيرة نت - الرأس الأخضر وأوروغواي.. ليلة الأرقام القياسية ولقاء المخضرمين القدس العربي - قنصلية الجزائر توجه تحذيرا ورسالة مهمة إلى الجماهير العربية نت - مصر تستقبل أول هدف من أوقيانوسيا في كأس العالم سكاي نيوز عربية - واشنطن وطهران تتفقان على خارطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي العربي الجديد - مفاوضات سويسرا مستمرة وحديث عن تقدم بملف هرمز قناه الحدث - بيان الوسطاء: إنشاء خط اتصال لضمان العبور الآمن للسفن عبر هرمز العربية نت - بيان الوسطاء: إنشاء خط اتصال لضمان العبور الآمن للسفن عبر هرمز قناة الجزيرة مباشر - Window on Tehran | Awaiting a New Round of Negotiations to Finalize the Memorandum of Understanding العربي الجديد - مفاوضات سويسرا مستمرة وحديث عن تقدم بملف هرمز
عامة

بين انتظار التغيير وصناعته في قيمة الفعل الجماعي

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

الواقع صعب، هذا أكيد. هناك خنق لحرّيات التعبير والتنظيم وحرب وقتل وتهديد مستمرّ للأرض والأرواح في منطقتنا، واحتلال لا يتوقّف عن توسيع سيطرته. على الرغم من هذا، لا يتوقّف الفعل الجماعي؛ إذ تعمل مجموعات...

الواقع صعب، هذا أكيد.

هناك خنق لحرّيات التعبير والتنظيم وحرب وقتل وتهديد مستمرّ للأرض والأرواح في منطقتنا، واحتلال لا يتوقّف عن توسيع سيطرته.

على الرغم من هذا، لا يتوقّف الفعل الجماعي؛ إذ تعمل مجموعات مختلفة في تنظيم مواردها وناسها ضمن حملات تسعى إلى إحداث تغيير في قضايا متعدّدة، بدءاً من التنظيم السياسي لأجل فلسطين، والحملات المطلبية لحقوق الفئات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، وحتّى المبادرات المحلّية الصغيرة التي تدير تفاصيل الحياة اليومية.

ولكن عند ذكر هذه التنظيمات" الصغيرة"، قلّما تكون ردّات الفعل مشجّعة أو مُحتفىً بها؛ إذ كثيراً ما يجري التقليل من شأنها بوصفها غير سياسية بما يكفي لمواجهة هذا الواقع، أو يجري تحميلها ما لا تحتمل من أمنيات تتعلّق بقيادة تحوّلات شاملة في مساحات مغلقة.

ثمّة عدّة أسباب لهذا التفاعل مع هذا النوع من المبادرات والتنظيمات: الأول والمفروغ منه هو الإحباط والشعور بعدم القدرة على التغيير، وأنّ السياق بلغ من الصعوبة حدّاً يجعل العمل التغييري شبه مستحيل.

والثاني يتعلّق بنشوء حرج أخلاقي من الحديث عن حملات بأهداف" تبدو صغيرة"، حتّى لدى من يقودونها؛ فحين يكون الظلم كبيراً، تصبح المقارنة مطلقة، وتبدو الإنجازات الجزئية، مهما كانت ضروريةً، أقلّ من أن تُذكر.

فما قيمة حملة تؤمّن الطعام اليومي للناس في غزّة إن لم تنهِ الحصار؟ وكيف يُنظر إلى بناء حمّام لعاملات زراعيات أمام شعارات العدالة الاجتماعية الكُبرى، أو منع تزويج عشرات الطفلات في بنيةٍ ما زالت تعيد إنتاج الظاهرة نفسها؟ ويُضاف سبب ثالث، افتراض ضمني أنّ" النضال الحقيقي" هو ما يقلب الشارع ويطرح المطالب الكُبرى في حدث جليّ، بينما يُنظر إلى الأشكال الأخرى" الأصغر" من التنظيم والعمل كأنّها التفاف على" المهمّة الأصلية"، أو من أشكال التكيّف مع الواقع.

وعليه، حين ينظّم الطلاب أنفسهم مثلاً حول مطالب تتّصل بشروط تعلّمهم اليومية، كالمطالبة بساعات تدريب عملي، يُنظر إلى هذا بوصفه انشغالاً ثانوياً لا ينسجم مع ما يُفترض أنّه" الدور السياسي التاريخي" للحركة الطلابية.

المشاركة تدريب عملي على المواطنة، وتعيد تعريف من يحقّ له أن يكون فاعلاً سياسياًولكن الاستغراق طويلاً في هذا التفكير فخّ خطير لمجتمعاتنا.

فعندما يصبح التغيير المقبول هو الشامل فقط، تبدو معظم أشكال الفعل الجماعي كأنّها فاشلة سلفاً.

ومع الوقت، لا يبقى هذا مجرّد انطباع، بل يتحوّل إلى جزء من البنية الاجتماعية نفسها، يعيد إنتاج الإحباط والانسحاب من المجال العام، ويُضعف ثقة الناس بقدرتهم على التأثير في واقعهم، وبالتالي في مستقبلهم.

ليس المقصود هنا تقديم الحملات والمبادرات التنظيمية الصغيرة بديلاً من أشكال العمل السياسي الأوسع، فلا غنى عن تنظيمات قادرة على صياغة مطالب على مستوى وطني وإقليمي.

لكنّ النظر إلى هذه الحملات المحلّية، سواء نشأت في الأحياء أو المزارع أو المؤسّسات التعليمية، بوصفها بلا قيمة ما لم تُفضِ مباشرة إلى تحوّلات كُبرى، ينطوي على خسارة حقيقية؛ فهي ليست مجرّد أدوات لتحقيق مطالب جزئية، ولا تمثّل مرحلةً تمهيديةً تسبق السياسة، بل هي حواضن اجتماعية مصغّرة وأحد أشكال الممارسة السياسية ذاتها، إذ يجري من خلالها بناء الخبرات، وصقل الفاعلين الجدد، وتعميق الروابط التي يقوم عليها العمل العام في ممارسة يومية قابلة للتراكم والتعلّم.

وهي تُشكّل إحدى البنى الاجتماعية التي يُعاد من خلالها إنتاج القدرة السياسية للمجتمع، لستّة أسباب: فأولاً،يُعدّ التراكم غير المرئي للفعل التنظيمي شرطاً للحدث الكبير، إذ ثمّة علاقة وثيقة بين الأهداف التغييرية الكُبرى والأفعال اليومية المتراكمة.

فالقدرة على حمل التغيير لا تُبنى في لحظته، بل قبلها بكثير، عبر الاستمرار والتراكم الذي يُنتج خبرات تنظيمية وذاكرة جمعية للفعل.

حرمان المجتمع من خوض تجارب تنظيمية والتقليل من شأنها، حتى حين تكون محدودةً، لا يحافظ على نقاء الفعل السياسي، بل يُضعف الشروط التي تجعل الفعل الكبير أكثر إمكاناً.

فالتغيير في القضايا الكُبرى لا يتشكّل عبر الانفجارات المفاجئة فحسب، بل عبر طبقات من التراكم غير المرئي الذي يبني الشبكات، ويوسّع الإمكان.

في الأدبيات التي تناولت الحركات الاجتماعية، من تيلي وتارو في تحليلهما لبنى الفعل الجماعي وتراكمه، إلى كتابات آصف بيات حول أشكال الفعل اليومي غير المرئي، مروراً بتحليلات جلبير الأشقر لتجارب" الربيع العربي"، يُنظر إلى الفعل الجماعي لا بوصفه لحظة انفجار سياسي معزولة، بل مساراً ممتدّاً من التراكمات الاجتماعية والتنظيمية التي تُعيد تشكيل إمكانات التغيير وحدوده.

ومع ذلك، ليست هذه العلاقة آلية أو حتمية؛ فليس كلّ فعل صغير يتحوّل بالضرورة إلى مسار تغييري أوسع، إذ قد تُحتوى بعض الحملات داخل بنى قمعية أو تنموية مشروطة، لتتحوّل إلى مجرّد آليات لإدارة الأزمات من دون معالجة أسبابها الجذرية.

لذلك، لا تُقاس القيمة السياسية لأيّ مبادرة بحجم مطلبها فقط أو بمجرّد وجودها، بل بمدى قدرتها على الحفاظ على استقلاليّتها، وتوسيع دائرة مشاركة الناس في العمل التنظيمي، وتطوير خبراتهم، واستمرار تفعيل" عضلة" العمل الجماعي التشاركي المنظّم.

لكن هذا التراكم لا يقتصر أثره على إنتاج الشروط الموضوعية التي تجعل الفعل الكبير ممكناً، بل يمتدّ أيضاً إلى إعادة تشكيل قوّة الفاعلين أنفسهم؛ إذ إنّ الانخراط المتكرّر في العمل التنظيمي لا يبني المسار فحسب، بل يبني قدرة الناس على السير فيه.

وثانياً، هناك تراكم خبرات الناس قوّةً دافعة للتغيير، فحين يعمل الناس بشكل منظّم، ويحققون هدفاً محدّداً ولو بدا بسيطاً" سياسياً"، فإنّهم لا يحقّقون نتائج آنية فحسب، بل يعيدون تشكيل وعيهم بذاتهم فاعلين، وهذا ما يُنمّي قدرتهم على التنظيم، والتخطيط، واتخاذ القرار الجماعي.

ومع كلّ تجربة ناجحة، يتّسع أفق الممكن، ويتراجع الإحساس بالعجز، ويصبح الانتقال إلى أهداف أكثر طموحاً أمراً قابلاً للتخيّل والتحقّق.

بهذا المعنى، لا يكون التراكم مجرّد مسار سياسي خارجي، بل أيضاً عملية داخلية تُعيد بناء الإنسان فاعلاً قادراً، ويُستكشف الممكن في سياق يبدو مشبعاً باللاممكن، ويطوّر تدريجياً" عضلة" العمل الجماعي التشاركي المنظّم.

فمثلاً، حين تنظّم عاملات زراعيات حملة أولى للمطالبة بتوفير أدوات الصحّة والسلامة، وينجحن في تحقيق هدفهن رغم صعوبات الحشد وإقناع زميلاتهن بالانخراط، تكون الحملة التالية أكثر طموحاً، ليس فقط بسبب زيادة عدد المشاركات، بل نتيجة تراكم الخبرات في اتخاذ القرار الجماعي، وبناء القيادة، والحشد، والتفاوض، وإدارة الموارد.

وهي مهارات لا تُكتسب نظرياً، بل عبر الممارسة الفعلية.

وهكذا، لا يقتصر الأثر على تحقيق مطلب محدّد، بل يمتدّ إلى رفع سقف الممكن.

ولا يقتصر هذا التحوّل على الأفراد المشاركين، بل يمتدّ ليأخذ بعداً اجتماعياً أوسع، إذ تبدأ آثار التجربة بالتسرّب إلى محيطها.

يتعلّق السبب الثالث بانتقال عدوى النجاح إلى المحيط الاجتماعي، فلا تبقى آثار التنظيم محصورة في المشاركين فيه، بل تمتدّ إلى محيطهم الاجتماعي، فعندما يرى أشخاص يواجهون ظروفاً مشابهةً أنّ غيرهم نجح في تحقيق مكسب عبر العمل الجماعي، يصبح التنظيم خياراً قابلاً للتخيّل والتجربة، بعد أن كان خارج حدود الممكن.

وهكذا، لا تنتشر المطالب وحدها، بل تتمدّد فكرة القدرة على الفعل الجماعي، لتتكاثر الحملات في قضايا متعدّدة وفي مناطق مختلفة.

لا تستفيد من الفرص السياسية القوى الأكثر رغبةً في التغيير، بل الأكثر جاهزية له.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك