يرى أستاذ فلسفة العلوم توفيق شومر في إطار مراجعته وتحليله المجتمع المدني، أن المفهوم لم يعد كافياً بوصفه إطاراً تنظيمياً لعلاقة الأفراد بالدولة، نظراً إلى حالة الاستغلال التي طاولت هذا المفهوم وتطبيقاته، لا سيما في المجتمعات الغربية.
ويجادل في كتابه" نقد المجتمع المدني ومفاهيمه" (الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2026)، أنه على الرغم من المزاعم في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية عن تحقيق المكاسب على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لمن يبذل جهداً وتنظيماً أكبر في العمل والإنتاج، فإن الهدف من هذا الجهد هو التأهيل للحصول على هذه المكاسب، والوصول إليها باستحقاق وجدارة، فمن غير المنطقي أن تكون المكاسب من دون عمل أو جهد.
وهذا تفسير يراه شومر غير مقنع ولا واقعي، إذ إن المكاسب في مثل هذه المجتمعات الحديثة تقوم بدرجة أساسية على الاستغلال وتجويع الآخرين، ليس من أبناء المجتمع نفسه فقط، وإنما تقوم على سحب" اللقمة من أفواه الجياع حول العالم".
إن المجتمع الذي لا يتمكن من رؤية تناقضاته واكتشاف تحيزاته يتوجب عليه أن يبحث عن مفاهيم جديدة لتكون منظاراً كاشفاً لحقيقته، ولتعينه على المراجعة الصادقة والدقيقة، ويقترح الكتاب الانتقال إلى مفهوم" المجتمع الإنساني" بديلاً عن المجتمع المدني القائم.
وهذه الانتقالة تتطلب عدة أمور وإجراءات لكي تتحقق، ووضَّح المؤلف أنها تشمل الضمانات الأساسية لتطبيق الديمقراطية على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
وهذا يعني مراجعة ما ادعته الديمقراطية الليبرالية أنها أنجزته، من خلال تبنيها مفهوم المجتمع المدني.
ويؤكد المؤلف أنه لا بد من التخلص من الثنائية الراسخة في المجتمع المدني: العامل - رب العمل، وذلك من خلال تشكيل آليات عمل اجتماعية تتحوّل بالعامل من أن يكون أداة من أدوات الإنتاج إلى أن يرى نفسه جزءاً من المجتمع الذي يدير تلك الأدوات ويحركها، وهذا وفق ما يفترضه الكتاب سيجعل التنافس بين المؤسسات الاجتماعية الخاصة المملوكة لأفراد يصل في نهاية المطاف إلى فَرْض تطور اقتصادي فيه آليات يمكنها التخلص من المؤسسات الخاصة.
وعلى الرغم مما في هذا التفكير من طموح مثالي في افتراض أن هذا الشكل المقترح سيصل عبر آليات معينة إلى التخلص من الملكية الخاصة، فإنَّه يوجه التفكير إلى أن الشكل القائم في المجتمعات الحالية يحتاج إلى مراجعة جذرية في أسس اشتغاله وفي أبعاده الأخلاقية.
ويتصل بالأمر، وفق هذا التصور الطموح المقترح، أن الإنسان سيتميز بمكانة محورية في المجتمع الإنساني، ولن يكون هناك بالتالي أي تأثير للانتماءات الفرعية دينياً أو قومياً أو عرقياً، فكل هذه الانتماءات تتراجع أمام القيمة الأساسية للمجتمع البشري، الذي يقوم على أن هذه التمايزات الحضارية والثقافية من مميزات البشر وليست أساس تقسيم بينهم ونفي لفئة أمام أخرى.
وعليه ستحكم هذه المفاهيم المجتمع الإنساني إلى أن تأخذه إلى مرحلة تزول بها الصراعات والحروب.
لم يعد المفهوم كافياً بوصفه إطاراً تنظيمياً لعلاقة الأفراد بالدولةونتيجة لهذه التحولات، سيتخلص المجتمع من الاغتراب الذي هيمن على الحياة الحديثة في ظل مفهوم المجتمع المدني، وبالتالي سيستكمل المفهوم الجديد" المجتمع الإنساني" تطور المرحلة السابقة، وسيكون أساساً فعلياً لتحقيق الحرية والعدالة والمساواة بين جميع البشر.
هذه الجوانب كفيلة بالانتقال، بحسب شومر، من طور" المجتمع المدني" إلى طور" المجتمع الإنساني"، الذي ستبدأ فيه، بغض النظر عن هوية ذلك المجتمع، معالم تحول البشر على اختلاف هوياتهم وحضاراتهم وثقافاتهم إلى صورة جديدة تلتقي فيها الاختلافات بدلاً من الصراع، وهذا ما سيكون تأسيساً لمجتمع حديث يُسمَّى" الحضارة الإنسانية".
ولا يريد المؤلف من ذلك إلغاء الاختلافات أو هيمنة بعد واحد وذوبان الأبعاد الأخرى، وإنما تبقى هذه الاختلافات لتكون منطلقاً للحوار والانسجام، بعيداً عن التّصدع والصراع وأسبابه.
وبذلك تكون الغاية من نقد مفهوم المجتمع المدني، هي غاية تجاوزية، من أجل التحقُّق في" المجتمع الإنساني" الذي يتجاوز محنة الاشتراطات التي فرضتها أدبيات المجتمع المدني، لا سيما أدبيات الصدع والصراع، ونهب خيرات الشعوب، واضطهاد حيوات البشر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك