أثار قرار قاضي التحقيق الإسباني خوان كارلوس بينادو، أول أمس السبت، والذي نص على سحب جواز سفر بيغونيا غوميز، زوجة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، ومنعها من السفر خارج البلاد، إضافة إلى إلزامها بالمثول أمام المحكمة مرتين في كل شهر، ضجة إعلامية وسياسية كبيرة في البلاد، لا سيما داخل قصر مونكلوا، مقر الحكومة الإسبانية، التي أبدت معارضتها قرار القاضي ووصفته بأنه" ملاحقة وهوس وعدم تناسب" من قاضي التحقيق.
ولم يكتفِ قاضي التحقيق بهذه الإجراءات، بل قرر أيضاً إحالة بيغونيا غوميز إلى المحاكمة بتهم استغلال النفوذ والفساد في الأعمال والاختلاس، إضافة إلى تهمة الاستيلاء غير المشروع على الأموال.
وشملت هذه الإجراءات، إضافة إلى زوجة رئيس الحكومة، كريستينا ألفاريز، مستشارة زوجة الرئيس السابقة في قصر مونكلوا، حيث اعتبر القاضي أن هناك" مؤشرات عقلانية" على ارتكاب أفعال إجرامية منها أيضاً، وأن العقوبات قد تدفع المتهمين إلى محاولة الهرب، وبالتالي سحب جوازي سفرهما.
وأثار القرار جدلاً واسعاً في إسبانيا، لا سيما بعدما ذهب قاضي التحقيق إلى التشكيك في عناصر الشرطة المكلفين بحماية غوميز، حيث اعتبر أنهم قد يساعدونها في محاولة الإفلات من العدالة.
وترجع أصول القضية إلى إبريل/نيسان من عام 2024، حيث قاد القاضي بينادو تحقيقاً عقب شكوى قدّمتها منظمة يمينية متطرّفة تُدعى" مانوس ليبمياس" (الأيادي النظيفة) ضدّ غوميز.
واستناداً إلى الشكوى، رأى قاضي التحقيق أنّ غوميز استغلت موقعها زوجةً لرئيس الحكومة واستفادت من نفوذها من أجل التأثير في المؤسسة التعليمية للحصول على امتيازات وفرص مهنية استثنائية، لا سيما تلك المتعلقة بمشروع تطوير برنامج معلوماتي، قامت غوميز من أجل الحصول عليه ببناء شبكة علاقات ومصالح" تفضي إلى مكاسب مستقبلية"، إضافة إلى إعادة توجيه مسارها المهني من خلال" إنشاء كرسي جامعي استثنائي" في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، مستغلةً بذلك وصول زوجها إلى رئاسة الحكومة للقيام بمثل هذه الأمور في عام 2018.
جاء قرار القاضي بينادو ليعزز الشعور الذي كان ينتاب رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ودائرته الضيقة، والذين كانوا يتحدثون عن" مؤامرة" أو حملة إعلامية سياسية قضائية، تقودها تيارات اليمين المحافظ واليمين المتطرف.
ويستعد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز لإلقاء خطاب أمام البرلمان الإسباني، بناءً على طلبه، في الأيام المقبلة، سيرد فيه على كل هذه الضغوط التي يتعرض لها.
ومن المتوقع أن يتهم سانشيز خصومه باستغلال المسار القضائي في إسبانيا والتأثير فيه إعلامياً، لإضعاف الحكومة قبل الانتخابات في العام المقبل.
ووصف وزير النقل ما حدث بأنه" وصمة عار"، واعتبرت الحكومة قرارات القاضي بأنها" تفتقر إلى أي منطق ولا تستجيب إلا لدواعٍ سياسية".
كذلك أثار قرار قاضي التحقيق استياءً داخل أجهزة الأمن الإسبانية، لا سيما بعد تلميحه إلى أن عناصر الأمن الخاصة بحماية زوجة الرئيس قد تساعدها على الهرب، ولهذا قرّر سحب جواز السفر منها.
وفي هذا السياق، قام وزير الداخلية الإسباني مارلاسكا بتقديم مذكرة شكوى رسمية إلى السلطة القضائية، معبّراً فيها عن استنكار وزارة الداخلية تشكيك القاضي في نزاهة قوات الأمن الإسبانية، وبدأت الوزارة بدراسة إمكانية فتح قضية تأديبية بحق القاضي بسبب تصريحاته التي أثارت أيضاً انتقادات داخل نقابات الشرطة والمديريات التابعة، التي أصدرت بدورها بيانات تدين فيها" التقييمات الافتراضية وغير المبررة".
وجاء قرار القاضي بينادو في لحظة سياسية حرجة يعيشها الحزب الاشتراكي، خصوصاً في ظل ملفات الفساد المفتوحة قضائياً ضده والتي طاولت شخصيات من الصف الأول في الحزب.
وقد تكون الضربة القاضية التي تعرض لها الحزب هي وقوف رئيس الوزراء الأسبق خوسيه لويس ثاباتيرو متهماً أمام القضاء بتهم فساد واستغلال النفوذ لدعم إنقاذ شركة" ألترا بلس" للطيران.
ومع ذلك كله، ساهم قرار القاضي بينادو بحق زوجة رئيس الحكومة في توحيد الصف داخل الحكومة، ورفع المعنويات في الحزب الاشتراكي على السواء، ذلك أنه أكد لهما، كما أشارت أوساط في الحزب الاشتراكي لـ" العربي الجديد"، " وجود تداخل سياسي وقضائي وإعلامي يهدف إلى التشكيك في الحكومة، وإضعافها، والنيل من شخصيات رئيسية داخل الحزب الاشتراكي".
وتؤكد هذه المصادر لـ" العربي الجديد" أن" الحكومة ستنتقل من الدفاع إلى الهجوم، وأنّها لن تتخلى عن دعم رئيس الحكومة الأسبق ثاباتيرو لأنهم واثقون بوجود هذا التداخل أيضاً ضده بهدف تلويث سمعته، باعتباره أبرز شخصيات الحزب، وأبرز الداعمين للحكومة الإسبانية".
في هذا السياق المشحون سياسياً وإعلامياً وقضائياً، يبدو أن الحكومة الإسبانية ستخوض المرحلة المقبلة بمنطق" المواجهة الكاملة".
وفي أثناء ذلك كله، لن تستطيع زوجة رئيس الحكومة السفر خارج البلاد حتى تُحسم الأمور، قضائياً أولاً، ثم سياسياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك