(CNN)-- أدركت مصممة الديكور المصرية عليا الطنّاني أن بعضاً من أهم قطع التصميم قد تكون موجودة في تفاصيل الحياة اليومية، من دون أن تحظى بالتقدير الذي تستحقه.
تعود بداية هذه القصة إلى ما يقرب من خمس سنوات مضت، خلال إطلاق أول مجموعة من استوديو" دون طنّاني" حين واجه الفريق موقفاً غير متوقع تمثل في نفاد المقاعد المخصصة للضيوف.
عندها اقترح أحد العمال إرسال شخص إلى مزرعة مجاورة لشراء عدد من كراسي النخيل التقليدية، وبينما جلس الضيوف على المقاعد المتبقية، وجدت الطنّاني نفسها تجلس على أحد تلك الكراسي.
قالت الطنّاني في مقابلة مع CNN بالعربية إن تلك اللحظة غيّرت نظرتها بالكامل إلى هذه القطعة التقليدية، إذ أنه خلال جلوسها على الكرسي، بدأت تلاحظ مدى الراحة التي يوفرها وجمال تصميمه.
وأدركت أنه ليس مجرد قطعة أثاث ريفية بسيطة، بل نموذج تصميمي استثنائي استطاع الصمود عبر أجيال متعاقبة.
فشكله وحرفته ووظيفته بقيت محفوظة لقرون لأنه ببساطة يؤدي مهمته بكفاءة عالية.
مع تعمّقها في البحث، اكتشفت مصممة الديكور المصرية أن كرسي النخيل يمثل واحدة من أكثر قطع التصميم المصرية شهرةً وأقلها تقديراً في الوقت ذاته.
وأوضحت الطنّاني أن أول خطوة اتخذها فريق" نخل" كانت تنظيم ورشة عمل مخصصة لفهم الكرسي بشكل كامل، حيث جرى خلالها تفكيك الكرسي بالكامل ومحاولة إعادة تركيبه بطرق مختلفة بحثاً عن إمكانات جديدة داخل بنيته.
لكن النتيجة كانت لافتة؛ إذ بدا الكرسي أشبه بأحجية متقنة لا يمكن إعادة تجميع الأجزاء التابعة لها إلا بالشكل الأصلي ذاته.
فقد اكتشف الفريق أن منطق البناء الذي يقوم عليه الكرسي متطور إلى درجة أن تغييره من دون إضافة عناصر جديدة يكاد يكون مستحيلاً.
من هنا بدأ التفكير في كيفية الارتقاء بالحرفة الأصلية بدلاً من استبدالها.
وأوضحّت مصممة الديكور المصريّة أن عملية إعادة ابتكار مجموعة" نخل" قامت على الحفاظ على الحمض النووي لكرسي النخيل مع إعادة تخيل مستقبله.
ولم يكن الهدف ابتكار قطعة جديدة بالكامل، بل فهم العناصر التي تجعل هذا الكرسي فريداً والبناء عليها.
لهذا ركز الفريق بشكل خاص على نظامه الإنشائي المميز الشبيه بالمقص، والذي يشكل الأساس البنيوي للكرسي.
وقد جرى دراسة آلية عمل هذا النظام واستكشاف طرق جديدة لإعادة تفسيره مع الحفاظ على أصالة الحرفة التقليدية.
كما أتاح إدخال مواد مثل خشب الساج والبلوط إمكانات إنشائية وجمالية جديدة.
في الوقت ذاته، حرص المشروع على دعم المجتمعات الزراعية والحرفية التي تقف خلف هذه الصناعة بدلاً من التأثير عليها سلباً أو استبدالها.
وأكدت الطنّاني أن الهدف لم يكن استبدال المنتج الأصلي، بل تطوير لغة تصميمية معاصرة يمكن أن تتعايش مع الكرسي التقليدي وتضيف قيمة للحرفة ذاتها.
ولفتت صاحبة علامة" دون طنّاني" إلى أن أهمية كرسي النخيل لا تقتصر على حضوره في مصر فحسب، إذ يمكن العثور على نماذج مشابهة له في مناطق أخرى، مثل ينبع في المملكة العربية السعودية، حيث يُعتقد أنها انتقلت عبر طرق التجارة والتبادل الثقافي التاريخية، ما يعكس مدى تجذر هذا التصميم في الثقافة الإقليمية.
رغم ذلك، لم تكن العملية خالية من التحديات، فعلى المستوى الإبداعي، تمثل التحدي في إيجاد حوار حقيقي بين الحرفية التقليدية العريقة والتصميم المعاصر.
أما على المستوى التقني، فكان في دمج أساليب الإنتاج الحديثة من دون تحويل الحرفة إلى عملية صناعية بحتة.
وأكّدت الطنّاني أن الفريق لم يرغب أبداً في إزالة دور الأفراد من المعادلة، خاصة أن جمال الكرسي يكمن في المعرفة والخبرة والمهارة التي يمتلكها الحرفيون الذين يصنعونه.
لذلك اقتصر دور المشروع على دعمهم عبر تقديم عناصر إنشائية وإمكانات تصميمية جديدة مع الحفاظ على تقنياتهم، وتقاليدهم، وطريقة حياتهم.
في النهاية، أصبح المشروع مساحة تعاون تجمع بين المعرفة التقليدية والتفكير التصميمي المعاصر لإنتاج شيء جديد، لكنه يبقى متجذراً بعمق في أصوله.
لا يقتصر اهتمام الطنّاني على حرفة النخيل وحدها، إذ أشارت إلى أن مصر تزخر بالحرف التقليدية، لكن كثيراً منها لا يزال يُمارس بالطريقة ذاتها منذ عقود.
ويحتاج بعض هذه الحرف إلى إحياء، فيما يحتاج بعضها الآخر إلى التحديث وإعادة التوظيف.
ومن الأمثلة على ذلك حرفة" الأويما"، التي غالباً ما ترتبط بالأثاث الفرنسي الكلاسيكي الثقيل، بينما أعاد الاستوديو استخدامها لإنتاج أنماط وزخارف معاصرة.
ينطبق الأمر ذاته على حرفة التطعيم التي تُستخدم تقليدياً في أعمال عرق اللؤلؤ والأثاث الفاخر، لكنها استُخدمت في مشاريع الاستوديو لابتكار أنماط تصميمية حديثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك