المتحدث: الدكتورة إسراء خطاب، أستاذ مساعد في كلية العلوم الرياضية والحاسوب، جامعة هيريوت-وات دبيمع احتفالنا باليوم العالمي للمرأة في الهندسة، يتزايد التركيز على كيفية إعداد الشابات ليس فقط للمشاركة في مجال الهندسة، بل لقيادة مستقبله أيضًا.
ففي عالمٍ تشكّله تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحديات الاستدامة، والتحول الرقمي المتسارع، يجب أن يتجاوز التعليم مجرد تقديم المعرفة التقنية؛ إذ ينبغي عليه تنمية ما يمكن أن نطلق عليه" الذكاء الهندسي"، وهو مزيج يجمع بين الخبرة التقنية، والقدرة على حل المشكلات، والإبداع، والثقة اللازمة للقيادة.
وتُعد عملية الإعداد هذه أكثر فاعلية بالنسبة للشابات عندما يُصمَّم التعليم بشكلٍ مدروس يهدف إلى إلهامهن ودعمهن وتهيئتهن ليصبحن مبتكرات وصنّاع قرار في المستقبل.
إلهام الشابات من خلال التعلم الهادف:يبدأ إشراك الشابات في مجال الهندسة بجعل عملية التعلم ذات صلة بالواقع وهادفة؛ فعندما يرتبط مجال الهندسة بتحديات حقيقية -مثل تحسين أنظمة الرعاية الصحية، أو تصميم مدن مستدامة، أو تطوير حلول لقضايا المناخ- فإنه يلقى صدىً كبيرًا لدى الطالبات اللواتي يدفعهن الشغف لإحداث تأثير ملموس.
ويؤدي" التعلم القائم على المشاريع" دورًا محوريًا في هذا السياق؛ إذ تتيح هذه المنهجية للشابات -سواء كنّ يعملن على تصميم تطبيقات ذكية، أو بناء نماذج أولية، أو إيجاد حلول لتحديات مجتمعية- أن ينظرن إلى أنفسهن كمهندسات مقتدرات يسهمن بفاعلية في خدمة المجتمع.
وتعمل هذه التجارب على نقل الهندسة من مجرد مفهوم نظري مجرد إلى مسار عملي هادف تكتسب فيه أفكارهن قيمة وأهمية حقيقية.
لقد نجحت مبادرات -مثل مبادرة" مليون مبرمج عربي" في دولة الإمارات وبرامج دولية مثل" Girls Who Code" - في تعريف آلاف الشابات بمجالات البرمجة والذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي.
ولا تكمن قوة هذه المبادرات في المهارات التي تقدمها فحسب، بل في قدرتها على ترسيخ شعور مبكر بالانتماء إلى بيئات تعتمد بشكل أساسي على التكنولوجيا.
الإرشاد: إطلاق العنان للإمكانات وبناء الثقةبالنسبة للشابات، يُعدّ الإرشاد عنصرًا محوريًا في التعليم الهندسي.
فهو لا يقتصر على توفير التوجيه فحسب، بل يمنحهنّ أيضًا الطمأنينة، مما يساعدهنّ على اجتياز المسارات الأكاديمية والمهنية بوضوح وثقة.
إنّ إتاحة الفرصة للشابات للتواصل مع مرشدين عبر الجامعات أو الشراكات مع القطاع الصناعي أو برامج التوعية يزوّدهن برؤى معمّقة حول مجالات ناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والطاقة المتجددة.
كما تسهم هذه العلاقات في توضيح المسارات المهنية وجعلها أكثر واقعية وقابلية للتحقق.
في البيئات الصفية، يمكن دمج الإرشاد في عملية التعلّم من خلال التعاون في المشاريع والتفاعل مع القطاع الصناعي.
عندما تتلقى الشابات ملاحظات من المختصين، ويعرضن أفكارهنّ، ويشاركن في حلّ مشكلات واقعية، يبدأن في تنمية الثقة بالنفس والهوية المهنية.
كما يُنمّي الإرشاد مهارات القيادة.
فمن خلال الملاحظة والتفاعل مع المختصين ذوي الخبرة، تكتسب الشابات خبرة في عمليات صنع القرار والعمل الجماعي والابتكار، وهي عناصر أساسية للقيادة التقنية المستقبلية.
توسيع الفرص من خلال مبادرات التوعية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)تُعد مبادرات التوعية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) ركيزة أساسية للوصول إلى الشابات في مرحلة مبكرة والحفاظ على اهتمامهن بمسارات الهندسة.
وتتميز البرامج التي تركز على المشاركة العملية والإبداعية مثل مسابقات الروبوتات، ومعسكرات البرمجة المكثفة، ومختبرات الابتكار بفعالية كبيرة في تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح الفضول والاستكشاف.
توفر هذه المبادرات بيئات آمنة ومشجعة تتيح للشابات خوض التجارب، والمجازفة، والتعلم بأسلوب تعاوني.
والأهم من ذلك، أنها تغير المنظور السائد؛ إذ تنتقل به من مجرد تعلم التكنولوجيا إلى ابتكارها وصياغتها بشكل فعّال.
كما ساهمت المنصات الرقمية في توسيع نطاق الفرص المتاحة للشابات في مجال الهندسة؛ إذ تتيح المختبرات الافتراضية مثل" MIT OpenCourseWare" — وأدوات المحاكاة التفاعلية (مثل PhET) للمتعلمات إجراء التجارب واكتساب مهارات عملية عن بُعد، وقد أظهرت الأبحاث تحقيق مكاسب ملموسة في مستويات المشاركة والدافعية.
وتوفر مسابقات الهاكاثون عبر الإنترنت بما في ذلك مبادرات مثل هاكاثون" UAE InnovAIte AI" مساحات تعاونية للشابات لتصميم حلول واقعية باستخدام التقنيات الناشئة.
وفي الوقت نفسه، توفر الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل أداة" Khanmigo" من" أكاديمية خان" (Khan Academy)، توجيهًا مخصصًا يساعد المتعلمات على تعزيز ثقتهن بأنفسهن من خلال دعم مستمر يتناسب مع وتيرة التعلم الخاصة بكل منهن.
وتشكل هذه المنصات مجتمعةً مسارات مرنة وشاملة تُمكّن الشابات من المشاركة الفعالة، والتجريب، والتطور في ظل المشهد التكنولوجي سريع التغير اليوم.
ومن خلال تعريف الشابات بالتقنيات الناشئة في مرحلة مبكرة، تساعد برامج التوعية هذه في بناء الألفة والثقة لديهن في المجالات التي ستشكل ملامح مستقبل العمل.
تشجيع الشابات على تولي أدوار قيادية في المجالات الناشئةتوفر مجالات الهندسة الناشئة - مثل الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذكية، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة المستدامة - فرصًا هائلة للابتكار والقيادة.
ويتطلب تشجيع الشابات على استكشاف هذه المجالات بذل جهود مدروسة ومقصودة ضمن الأنظمة التعليمية.
- الدمج المبكر للمواضيع المتقدمة: طرح مفاهيم الذكاء الاصطناعي، وعلم البيانات، والاستدامة في المراحل التعليمية التأسيسية.
- النهج متعدد التخصصات: تشجيع الشابات على توظيف المهارات الهندسية في مجالات الرعاية الصحية، وعلوم البيئة، والابتكار الاجتماعي.
- التعلم القائم على التجربة: توفير فرص للتدريب العملي، والمشاريع البحثية، وتحديات الابتكار في المجالات الناشئة.
تُتيح هذه التجارب للشابات اكتساب خبرات تقنية، فضلًا عن بناء الثقة اللازمة للتعامل مع التحديات المعقدة في العالم الواقعي؛ إذ يبدأن في النظر إلى أنفسهن كعناصر فاعلة ومساهمة في التطورات الرائدة، لا كمجرد مراقبات.
بناء الثقة والهوية القياديةلكي تزدهر الشابات في مجال الهندسة، لا بد أن يركز التعليم أيضًا على بناء الثقة وتنمية المهارات القيادية.
ويشمل ذلك تهيئة بيئات تُسمع فيها أصواتهن، وتُقدَّر أفكارهن، ويُعترف بمساهماتهن.
كما أن تشجيع الشابات على قيادة مشاريع الفرق، وعرض أعمالهن، والمشاركة في المسابقات، يساعدهن على تطوير مهارات شخصية (ناعمة) جوهرية، مثل التواصل والتعاون والتفكير النقدي.
وتلعب مسألة التمثيل دورًا مهمًا أيضًا؛ إذ إن تسليط الضوء على إنجازات المهندسات والمبتكرات -سواء على الصعيد العالمي أو داخل المجتمعات المحلية- يعزز القناعة بأن تولي أدوار قيادية في مجال الهندسة هو أمر ممكن ومتوقع.
والأهم من ذلك، ينبغي دمج تنمية المهارات القيادية في مسيرة التعلم؛ حيث توفر تحديات الابتكار، وبرامج ريادة الأعمال، والمشاريع المجتمعية منصات تتيح للشابات المبادرة وإحداث تأثير ملموس.
نظرة نحو المستقبل: تمكين الشابات لصياغة المستقبلسيُصاغ مستقبل الهندسة على يد أولئك القادرات على التفكير الإبداعي، وحل المشكلات المعقدة، والقيادة برؤية ثاقبة.
إن إعداد الشابات لهذا المستقبل لا يقتصر على التعليم فحسب، بل يمتد ليشمل التمكين.
ومن خلال الجمع بين تجارب التعلم الهادفة، والتوجيه الفعال، وتوسيع نطاق التواصل، وإتاحة الفرص في مجالات التقنيات الناشئة، يمكننا خلق بيئة تزدهر فيها الشابات كمهندسات وقائدات.
وفي خضم احتفالنا باليوم الدولي للمرأة في الهندسة يتضح هدفنا الا وهو ضمان تزويد الشابات - ليس فقط بالمهارات اللازمة - بل أيضًا بالثقة والطموح للقيادة.
وحين يتحقق ذلك، فإنهن لا يكتفين بالمساهمة في التقدم التكنولوجي، بل يشاركن في صياغته وتشكيله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك