إيلاف من لندن: في بلدٍ تُعرف فيه مدن الشمال البريطاني مثل مانشستر الكبرى ويوركشاير بتاريخها الصناعي العريق وثقلها الديموغرافي والسكاني الضخم، تبرز مفارقة سياسية معقدة تتمثل في الندرة الشديدة لعدد رؤساء وزراء بريطانيا الذين وُلدوا في تلك المناطق الجغرافية على مدار التاريخ السياسي للمملكة المتحدة.
وتكشف جغرافيا السلطة في بريطانيا عن هيمنة واضحة ومستمرة للعاصمة لندن وجنوب شرق إنجلترا على خريطة القيادة السياسية العليا؛ حيث خرجت هذه المنطقة الإستراتيجية وحدها بأكثر من 30 رئيس وزراء، مستفيدة بشكل مباشر من قربها الهيكلي من مراكز السلطة، والمال، والنفوذ السيادي.
وفي المقابل، لا يتجاوز إجمالي عدد رؤساء الوزراء الذين وُلدوا في شمال إنجلترا ثلاثة قادة فقط؛ يأتي في مقدمتهم روبرت بيل، المولود في منطقة بيري ضمن مانشستر الكبرى، والذي يُصنف كأحد أهم الشخصيات السياسية في القرن الـ 19 بصفته مؤسس جهاز الشرطة الحديثة ومهندس القواعد السياسية المعاصرة.
كما يظهر في السجل التاريخي اسم هربرت أسكويث، المولود في يوركشاير، والذي قاد حكومة البلاد خلال حقبة بالغة الحساسية قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، إلى جانب هارولد ويلسون، المولود في يوركشاير أيضاً، والذي تزعم حكومات حزب العمال خلال فترات التحول الاقتصادي والاجتماعي الكبير.
وعلى صعيد مانشستر تحديداً، لا يظهر في القائمة سوى اسم بيل، ما يعكس تمثيلاً محدوداً للغاية لمدينة شكّلت يوماً ما القلب النابض للثورة الصناعية العالمية.
وفي سياق إقليمي أوسع، ساهمت اسكتلندا بتقديم عدد أكبر نسبياً من القادة، برز منهم في التاريخ الحديث توني بلير وغوردون براون، في حين شكلت أيرلندا تاريخياً مصدراً لعدد من القادة في الفترات المبكرة لتأسيس المملكة المتحدة.
ويرى مراقبون ومحللون أن هذا التفاوت الإقليمي الصارخ يعكس تاريخاً طويلاً من تمركز القرار السياسي والاقتصادي في العاصمة، يعضده الدور المحوري الذي تلعبه النخب التعليمية؛ إذ حافظت جامعتا أكسفورد وكامبريدج على دور رئيسي في صياغة وتشكيل الطبقة السياسية الحاكمة، مما يبقي حضور الشمال في قمة الهرم السياسي سؤالاً مفتوحاً حول عدالة التوازن الإقليمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك