بدأ كير ستارمر طريقه إلى زعامة حزب العمال والحكم بعد أزمة عاصفة، واضطر إلى إنهائه بنفسه بعد أزمة بملامح تشبهها.
وبإعلانه الاستقالة، اليوم الاثنين، يحتل رئيس الوزراء البريطاني مكانة ذات مسحة سلبية في تاريخ البلاد الحديث.
فقد أصبح الخامس في قائمة أقصر الزعماء حكماً منذ الحرب العالمية الثانية، ليحل محل سابقه العمالي غوردون براون، الذي حكم لمدة عامين و318 يوماً.
وكانت أقصر الحكومات عمراً هي حكومة حزب المحافظين بقيادة ليز تراس، التي لم تدم سوى 44 يوماً، في عام 2022.
بخلاف كثيرين من رؤساء حكومات بريطانيا، لم يمارس رئيس الوزراء المستقيل السياسة إلا لفترة وجيزة قبل الصعود إلى الحكم.
فقد عمل لسنوات محامياً، وكان ذائع الصيت، مختصاً بقضايا حقوق الإنسان، ما أهله لمنصب رئيس هيئة الادعاء (النيابة العامة) بين عامي 2008 و2013.
وبعدها مُنح لقب" سير" اعترافاً ببصمته في العدالة الجنائية.
وظلت تلك الفترة مصدر فخره لاحقاً.
وعندما كان يُسأل عن خبرته بالإدارة والتغيير، لم يجد سوى ذلك المنصب، الذي قال إنه غيّر خلاله جهاز الادعاء العام، دليلاً على قدرته على إدارة البلاد.
ولم يكن ستارمر من القيادات البارزة الكبرى في حزب العمال حتى عام 2015، عندما فاز بمقعد منطقة هولبورن آند سانت بانكراس، بوسط لندن، في مجلس العموم، وهو في الثالثة والخمسين.
وبدأ يحفر مكانته بعد أن عينه جيرمي كوربين، زعيم الحزب حينذاك، وزيراً في حكومة الظل العمالية لشؤون الخروج من الاتحاد الأوروبي" بريكسيت".
وخلال شغله هذا المنصب بين عامي 2016 و2020، ظل يؤيد السعي لإجراء استفتاء ثانٍ بعد استفتاء الخروج الأول في عام 2016.
أتاحت أزمة انتخابات عام 2019، التي عصفت بحزب العمال، الفرصة كي يقفز ستارمر إلى زعامة الحزب والبلاد.
مُني الحزب بخسارة فادحة، ولم يكن خلالها الأعضاء الفاعلون، ومن بينهم ستارمر، متحمسين لأن يقود كوربين البلاد.
وبعد الخسارة، واجه كوربين، المعروف بتاريخه اليساري الطويل في دعم فلسطين ومناهضة سياسات إسرائيل، حملة داخلية تتهمه بالتقصير في مكافحة العداء للسامية في الحزب.
وحينها، راجت تقارير عن مشاركة رئيس الوزراء السابق توني بلير وأنصار إسرائيل في التخلص من كوربين، ليُختار ستارمر بديلاً.
وخلال شهور، تمكن الزعيم الجديد، بدعم من أعداء كوربين وأصدقاء بلير، من إجراء تغييرات داخلية أبعدت التيار اليساري الذي وُصف بالراديكالي، ومكّنت أنصار يسار الوسط.
وبفضل دعم هذا التيار، والأزمات العاصفة في حزب المحافظين، تمكّن ستارمر وفريقه الجديد من إنهاء 14 عاماً متصلة من حكم المحافظين.
ففي عام 2024، اكتسح العمال بقيادته الانتخابات التي وعد فيها البريطانيين بالتغيير، وعرض عليهم ما وصفها بـ" خطة من أجل التغيير".
حينها، بدا وكأنه ينصت إلى آلام الناس الذين شكوا من تدهور في الخدمات، خاصة الصحة والدعم الاجتماعي، وتراجع مستوى المعيشة، خاصة إثر أزمة كورونا.
يتذكر البريطانيون أنه سخر من المحافظين في آخر مناظرة تلفزيونية له مع رئيس الوزراء السابق ريشي سوناك، عندما توسل للبريطانيين أن يبقوه في الحكم كي يطبق خطة إصلاح وتحسين أداء هيئة الصحة الوطنية.
حينها رد عليه ستارمر قائلاً: إذا كانت لديكم تلك الخطة، فلماذا لم تطبقوها منذ سنوات؟ فتحجرت ملامح سوناك.
ورجحت التوقعات أنه سوف يسقط.
ورغم حالة التفاؤل التي عمّت البلاد بـ" خطة التغيير" العمالية، فإن تطبيق ستارمر لها اتسم بالبطء، الذي يقول أنصاره إنه نابع من الحذر حتى لا يهتز الاستقرار، خاصة الاقتصادي والمالي، في البلاد.
تحققت بعض الإنجازات في الصحة وتطوير التعليم الفني وتوفير التمويل للشرطة، حسب تقارير منظمات مختصة راقبت أداء حكومة ستارمر.
وفي ملف الطاقة، الشغل الشاغل للبريطانيين بسبب ارتباطه بمختلف مناحي الحياة، طُرحت مبادرة 2030، التي وعدت بأن تتمكن بريطانيا من إنتاج أكثر من 90% من احتياجاتها عبر مصادر نظيفة صديقة للبيئة.
وذكر البريطانيون له أنه مكّن هيئة تنظيم الطاقة من استخدام صلاحياتها في حماية المستهلكين من استغلال شركات الطاقة.
وإضافة إلى ذلك أنشأ مؤسسة حكومية جديدة أسماها" هيئة الطاقة البريطانية العظمى"، للمساعدة في تخفيض الأسعار، والمساهمة في مبادرة الطاقة البديلة.
وخلال العام الأول من حكومته، شاهد البريطانيون موجة جديدة لبناء المساكن لحل مشكلة تتصاعد منذ عقود، وكان الهدف هو بناء ما يقرب من 1.
5 مليون مسكن في إنكلترا وحدها، الأكثر تضرراً من الأزمة.
غير أن ستارمر بدا متردداً في الدفع بقوة أكبر لزيادة معدلات التغيير، الأمر الذي حذر معارضوه، الذين يصفونه بالعنيد صلب الرأس، من أنه سيعطل معدل التغيير المطلوب للفوز في الانتخابات المقبلة عام 2029.
ضربة ماندلسون.
سقوط في الشرق الأوسطومع تصاعد الخلافات بينه وبين وزرائه وقادة حزبه، تعرض ستارمر لضربات أخرى.
ومن أهمها تعيين بيتر ماندلسون سفيراً في الولايات المتحدة من خارج السلك الدبلوماسي، رغم العلم بعلاقاته مع الملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم الاتجار بالأطفال بغرض الاستغلال الجنسي.
وما زاد الضغط على ستارمر هو كشف وثائق ماندلسون عن اتفاق السفير ووزراء آخرين على أن رئيس الوزراء" لا يملك خطة" للنمو الاقتصادي، وتتسم قيادته بالتردد.
وجاءت حروب المنطقة.
فلم يعد هناك خلاف على أن موقفه المتواطئ مع إسرائيل قد ساهم في تدني شعبية العمال وشعبيته هو شخصياً.
وهذا ما كشفه بوضوح ويس ستريتنغ، وزير الصحة السابق، في رسائل متبادلة بينه وبين ماندلسون، بينما كان الاثنان في منصبيهما، وجاءت الانتخابات المحلية لتؤكده، ولتُسحب من بين يدي رئيس الوزراء وأنصاره أي مبرر للعناد.
وبعد الانتخابات، تلقى ستارمر ضربات متتالية باستقالة 6 وزراء في أسبوع واحد.
غير أن الضربة الأقوى جاءت من وزير دفاعه جون هيلي، وأحد الموالين له.
استقال الرجل، الذي يتمتع بسمعة سياسية ومهنية هائلة وأسس لعلاقات جيدة لبريطانيا مع الولايات المتحدة ودول أوروبا، احتجاجاً على" عدم قدرة" و" استعداد" رئيسه لفهم أبعاد المخاطر الملحة التي تهدد الدفاع والأمن الوطني البريطاني، ورفضه توفير التمويل اللازم لتمكين الجيش من مواجهتها.
وبعد رحيل هيلي الدرامي، لم تفلح استراتيجية 10 داونينغ ستريت في التخفيف من تداعياته داخل حزب العمال.
ورفضت هيئته البرلمانية الاستجابة لطلبه، كما قال هو في خطاب الاستقالة، البقاء حتى انتخابات عام 2029.
وبدا واضحاً من نبرة رد النواب أن مصلحة الحزب والبلد أهم من إرضاء غرور الزعيم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك