تتدلّى خيوط لزجة وشفافة من عيدان تناول الطعام الخاصة بويسلي سميث، بينما يتلذذ السائح الأميركي بطبق «ناتو» الياباني المصنوع من فول الصويا المخمّر، والذي يحظى بشعبية واسعة رغم أنّه يثير جدلاً مع استمراره في شقّ طريقه نحو العالمية.
وتشير أحدث الإحصاءات التجارية إلى أن صادرات اليابان من هذه البقوليات المغذية ارتفعت ثلاث مرات منذ عام 2017 لتصل إلى 5248 طناً سنة 2025، فيما تتصدر الصين والولايات المتحدة قائمة الدول المستوردة.
ولا يزال هذا الطبق التقليدي الياباني الغنيّ بالبكتيريا المفيدة عنصراً أساسياً على مائدة الإفطار، غير أن رائحته النفّاذة وقوامه اللزج ومذاقه المخمّر تثير الانقسام حتى داخل موطنه الأصلي.
ويقول سميث لـ«وكالة فرانس برس» وهو يتناول الغداء في مطعم «سيندايا» بطوكيو: «شعرت في البداية أن مذاقه غريب بعض الشيء».
وتابع الرجل البالغ 47 عاما والمتحدر من ولاية أريزونا: «لكن على مر السنين، أصبحت هذه البقوليات الطرية ذات اللون الأصفر المائل إلى البني مذاقاً مكتسباً تماماً مثل بعض أنواع الجبنة التي تحمل روائح كريهة».
وشهدت السنوات الأخيرة انضمام ناتو إلى مجموعة من الأطعمة المخمّرة، من الكيمتشي إلى الكومبوتشا، التي ازدادت شعبيتها عالمياَ، في ظل سعي الأميركيين بشكل خاص إلى تحسين صحة الجهاز الهضمي بعد جائحة كوفيد-19.
ويرتبط الاستهلاك المنتظم لهذا الوجبة الخفيفة الغنية بالألياف والبروتين بتقوية جهاز المناعة، وتحسين الهضم، وزيادة كثافة العظام.
وفي الصين أيضاً «يساهم التوجه نحو تعزيز الوعي الصحي، لاسيما بين فئتي الدخل المتوسط والعالي، في تنامي الاهتمام بالأطعمة اليابانية»، وفق ما أفادت منظمة التجارة الخارجية اليابانية في تقرير حديث.
وفي لوس أنجلوس، لاحظ كينجي سوزوكي، مالك مطعم سوهيرو الياباني، إقبالاً متزايداً من الزبائن غير اليابانيين على تجربة الناتو، مضيفاً: «مع بدء وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج لناتو بوصفه غذاء خارقاً، ازداد فضول الناس لتذوّقه ومعرفة ما إذا كان سيئاً كما يُقال.
وقد لا يُعجب ناتو البعض، لكن آخرين يحبّونه».
فيما قطع دايسكي تسوجيموتو مئات الكيلومترات من أوساكا إلى طوكيو ليتذوق ناتو في مطعم «سيندايا».
وقال الشاب البالغ 31 عاماً: «إنه جزء من ثقافة الطعام التي تشكل مصدر فخر لليابان.
أتمنى أن يواصل الناس في مختلف أنحاء العالم تناوله».
وإلى جانب فوائده الصحية المزعومة، لطالما حظي ناتو بشعبية كبيرة في اليابان لسعره المعقول جداً.
وتُباع حزمة منه تضم ثلاثة أكواب وزن كل منها من 40 إلى 50 غراماً، بنحو 100 ين (0,60 دولار) أو حتى أقل في متاجر السوبرماركت.
وتحتوي كل عبوة على أكياس بلاستيكية صغيرة من الخردل وصلصة الصويا.
ومع ذلك، لم يسلم هذا الطبق من «موجة ارتفاع الأسعار»، وفق الرئيس السابق لاتحاد جمعيات الناتو التعاونية اليابانية يوشيهيرو نورو.
وأوضح أن ذلك يعود إلى نقص النفتا، أحد مشتقات النفط، نتيجة للحرب في الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، يرى نورو (72 عاماً) أنّ ارتفاع الأسعار يشكل فرصة لتبديد صورة هذا الطبق كـ«طعام الفقراء»، مضيفاً: «قلما نجد أطعمة تُضاهي ناتو في فوائده الصحية وقيمته الغذائية العالية».
وتابع: «آمل أن يأتي الوقت الذي يرى فيه الناس بشكل جماعي، أن هذا الطبق عالي الجودة يستحق إنفاق أموالهم عليه».
هذا تحديداً ما تسعى إلى تحقيقه شركته «كاماكورا ياما ناتو» التي يروَّج لمنتجها على أنه «شديد اللزوجة»، لكن في الوقت نفسه خال من «الرائحة النفّاذة والمرارة».
وفي مصنعه الواقع في غرب طوكيو، ينكب عمّال يرتدون بزات معقمة على غسل فول الصويا وطهيه بالبخار، ثم رشه بالبكتيريا النافعة، قبل أن تتولى آلات ترتيبه بدقة داخل أكواب، ثم يُترك ليتخمّر لـ18 ساعة.
ورغم أن سعره أغلى بثلاث مرات تقريباً من المتوسط، نجح هذا المنتج في السنوات الأخيرة بالحصول على طلبات دولية، بما في ذلك من هونغ كونغ وشنغهاي وسنغافورة وحتى النرويج.
وقال نورو: «سمعت أن الناس في بعض البلدان يُقال لهم إن ناتو مفيد لصحتهم، لذا يُجبرون أنفسهم على تناوله رغم كرههم الشديد لمذاقه»، مضيفاً: «استمرّوا بتناوله، ستتعلقون به حتماً».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك