لم يكن وجود السوريين في مصر خلال السنوات الماضية مجرد حكاية لجوء أو انتقال سكاني فرضته ظروف حرب النظام المخلوع عليهم، فمع مرور الوقت، تشكّلت علاقات اجتماعية وإنسانية عميقة بين السوريين والمصريين، تجاوزت حدود العمل والتجارة والمدارس، لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل البيوت.
فكما حمل السوريون معهم إلى مصر عاداتهم وأطعمتهم وأساليب حياتهم، تأثروا بدورهم بالكثير من العادات المصرية، في تجربة يمكن وصفها بأنها واحدة من أبرز نماذج التفاعل الثقافي والاجتماعي بين شعبين عربيين تجمعهما روابط تاريخية وثيقة.
ومن المطبخ إلى اللباس، ومن النزهات العائلية إلى ثقافة العمل والعلاقات الاجتماعية، ترك السوريون بصمات صغيرة لكنها واضحة في حياة كثير من المصريين الذين عاشوا إلى جوارهم أو عملوا معهم أو ربطتهم بهم صداقات امتدت لسنوات.
المطبخ السوري يدخل البيوت المصريةقد يكون الطعام أول ما يتبادر إلى ذهن المصريين عند الحديث عن السوريين، لكن التأثير لم يتوقف عند مطاعم الشاورما والحلويات التي انتشرت في مختلف المدن المصرية.
" مرام"، وهي سيدة مصرية تقيم في مدينة العبور قرب القاهرة، تقول إن علاقتها بإحدى الأمهات السوريات في مدرسة ابنتها بدأت بشكل عادي، قبل أن تتحول إلى صداقة عائلية وثيقة.
وتوضح، في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا، أن أكثر ما جذبها في البداية كان الطعام الذي كانت تحضّره صديقتها السورية في المنزل.
تقول مرام إن أطباقاً مثل (الشاكرية والكبة اللبنية والكوسا باللبن) كانت جديدة تماماً بالنسبة إليها، لأن المطبخ المصري لا يعتمد على اللبن" الزبادي" المطبوخ بالطريقة نفسها المعروفة في المطبخ السوري.
ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الأطعمة مجرد وجبات تتذوقها عند زيارة صديقتها، بل أصبحت جزءاً من قائمة الطعام داخل منزلها.
وتضيف ضاحكة: " في البداية كنت أستغرب فكرة الطبخ باللبن، أما اليوم فأولادي يطلبون الكبة اللبنية أكثر من بعض الأكلات المصرية".
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تعرّفت مرام إلى اليالنجي والتبولة والفتوش وأنواع مختلفة من المقبلات السورية، في حين تعلمت لاحقاً إعداد المكدوس الذي أصبح ضيفاً دائماً على مائدة الإفطار في منزلها.
وتقول إن أكثر ما أعجبها في الطعام السوري هو ارتباطه بالجلسات العائلية وطقوس التحضير الجماعي، حيث تتحول بعض الأكلات إلى مناسبة اجتماعية بحد ذاتها.
التأثير السوري لم يتوقف عند الطعام.
" مها"، وهي سيدة مصرية من القاهرة، تقول إن جارتها السورية أصبحت مع الوقت أقرب إلى أخت لها، وإن العلاقة بين العائلتين انعكست حتى على أسلوب اللباس.
وتوضح أن ابنتها بدأت تتأثر بطريقة ارتداء الحجاب لدى الفتيات السوريات، كما أصبحت تفضّل بعض أنماط الملابس التي تعرضها المحال السورية.
وخلال السنوات الأخيرة، باتت عشرات المحال السورية المتخصصة بالألبسة النسائية وأغطية الرأس مقصداً للعديد من المصريات، خصوصاً في المدن التي تشهد كثافة سكانية سورية.
وتؤكد" ريم"، وهي شابة سورية تعمل في متجر لبيع الألبسة وأغطية الرأس في القاهرة، أن كثيراً من المصريات أصبحن يشترين الأوشحة السورية ويتعلمن طرق لفها التي اعتادت عليها النساء السوريات.
لكن التأثير لم يكن أحادي الاتجاه، فكما تأثرت مصريات ببعض أنماط اللباس السورية، تأثرت سوريات أيضاً بأنماط مصرية، أبرزها الإسدال المستخدم على نطاق واسع في مصر، إضافة إلى بعض أساليب ارتداء الحجاب والنقاب التي أصبحت أكثر حضوراً بين السوريات المقيمات في البلاد.
وترى" ريم" أن السنوات الماضية أوجدت شكلاً جديداً من التداخل بين الذوقين السوري والمصري، حتى بات من الصعب أحياناً التمييز بين ما هو سوري وما هو مصري في بعض تفاصيل اللباس اليومية.
" السيران".
عادة سورية وجدت طريقها إلى المصريينومن بين العادات التي انتقلت من السوريين إلى عدد من العائلات المصرية، عادة" السيران" أو قضاء يوم كامل في الطبيعة مع إعداد الطعام والشواء.
وتقول سيدة سورية تقيم في مدينة العبور إنها اعتادت منذ سنوات الخروج مع عائلتها إلى الحدائق العامة أو المساحات المفتوحة مرة واحدة شهرياً على الأقل.
وكانت العائلة تحضر معها اللحوم أو الكبة وبعض الأطعمة المنزلية، وتقضي يوماً كاملاً في الهواء الطلق، ومع الوقت، بدأت إحدى العائلات المصرية المجاورة بمشاركتهم هذه النزهات.
وتقول شابة من هذه العائلة تدعى" هند" إن الفكرة كانت جديدة بالنسبة إليها في البداية، لكنها سرعان ما تحولت إلى عادة عائلية.
وتضيف أن عائلتها أصبحت أيضاً تستأجر، خلال فصل الصيف، مزرعة أو فيلا ليوم كامل في منطقة عرابي قرب العبور أو على طريق الإسكندرية الصحراوي، بدلاً من قضاء معظم الوقت في المراكز التجارية والمطاعم.
وترى أن هذه التجربة تمنح الأطفال مساحة أكبر للعب، كما توفر خصوصية أكبر للعائلات.
وتوضح أن السوريين ساعدوا، بشكل غير مباشر، على نشر ثقافة الجلسات العائلية الطويلة في المساحات المفتوحة، بعيداً عن صخب الأماكن المغلقة.
وفي المطاعم والمحال التجارية والورش الصغيرة، تشكّلت أيضاً صورة إيجابية لدى كثير من المصريين عن أسلوب السوريين في العمل.
" حمادة"، وهو شاب مصري يعمل في مطعم سوري قرب القاهرة، يقول إن أكثر ما لفت انتباهه هو إصرار السوريين على التعلم والعمل لساعات طويلة.
ويضيف أن زملاءه في المطعم لا يترددون في تعلم أي مهنة أو مهمة جديدة، وهو ما دفعه بدوره إلى تطوير مهاراته، فتعلّم إعداد الشاورما والعمل في أكثر من قسم داخل المطعم.
ويقول إن هذه الروح انعكست على شخصيته، وجعلته أكثر طموحاً ورغبة في تطوير نفسه.
ويرى أن كثيراً من الشباب المصريين الذين احتكوا بالسوريين في سوق العمل تأثروا بهذه الثقافة القائمة على الاعتماد على النفس وتعدد المهارات وعدم التردد في خوض تجارب مهنية جديدة.
حتى الزواج والعلاقات الأسريةوتقول" سارة، " وهي شابة مصرية في الثلاثين من عمرها، إنها كانت تستمع دائماً إلى صديقاتها السوريات وهن يتحدثن عن عادات الزواج في سوريا، حيث تعجبها عادات السوريين أكثر، وتحب أن تتزوج وفقاً لها.
وتوضح أن أكثر ما لفت انتباهها هو طبيعة توزيع المسؤوليات، إذ جرت العادة في كثير من البيئات السورية على أن يتحمل الشاب الجزء الأكبر من كلفة تجهيز بيت الزوجية، بما يشمل تأمين المنزل والأثاث والأجهزة الأساسية ومتطلبات السكن.
أما في مصر، فتختلف العادات من منطقة إلى أخرى، لكن من الشائع في كثير من الأسر أن تتقاسم عائلتا العروس والعريس أعباء تجهيز المنزل، حيث يساهم كل طرف بجزء من الأثاث أو الأجهزة أو مستلزمات السكن وفقاً للأعراف المتبعة.
وتقول سارة إن هذه الفروقات كانت محور نقاشات متكررة بينها وبين صديقاتها السوريات، لأنها تعكس اختلافات اجتماعية وثقافية في فهم الأدوار الأسرية والمسؤوليات المرتبطة بالزواج.
وتضيف أن اختلاف العادات لا يعني أن إحداها أفضل من الأخرى، لكنه يفتح المجال للتعرف إلى تجارب اجتماعية متنوعة وتبادل وجهات النظر حولها، خاصة مع تزايد العلاقات الاجتماعية والصداقات بين السوريين والمصريين خلال السنوات الماضية.
كلمات ولهجات وعادات صغيرةولم يقتصر التأثير المتبادل على الأمور الكبيرة فقط، بل وصل إلى تفاصيل بسيطة في الحياة اليومية.
فكثير من المصريين باتوا يستخدمون كلمات سورية تعلموها من أصدقائهم وجيرانهم السوريين، في حين أصبح عدد كبير من السوريين يستخدمون مفردات مصرية بشكل تلقائي في أحاديثهم اليومية.
كما انتقلت بعض العادات المرتبطة بالضيافة وتحضير القهوة والجلسات العائلية بين الطرفين، حتى باتت جزءاً من المشهد الاجتماعي المشترك في كثير من الأحياء التي يعيش فيها السوريون والمصريون جنباً إلى جنب.
بعد أكثر من عقد على وجود السوريين في مصر، تبدو العلاقة بين المجتمعين أبعد بكثير من مفهوم اللجوء التقليدي.
ففي المدارس وأماكن العمل والمطاعم والأسواق والأحياء السكنية، نشأت شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية التي تركت أثراً متبادلاً على الجانبين.
وربما لا تظهر هذه التأثيرات في الإحصاءات أو الدراسات الرسمية، لكنها حاضرة بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية؛ في طبق طعام دخل بيتاً مصرياً، أو عادة اجتماعية انتقلت من أسرة إلى أخرى، أو كلمة جديدة أصبحت جزءاً من الحديث اليومي.
وبينما اندمج السوريون في المجتمع المصري، تركوا أيضاً شيئاً من ثقافتهم وعاداتهم فيه، تماماً كما أخذوا من مصر الكثير، في تجربة إنسانية صنعتها الجيرة والصداقة والعمل المشترك أكثر مما صنعتها السياسة أو الظروف التي دفعتهم إلى الرحيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك