يمثل النشيد الوطني لأي بلد قصيدة شعر تحمل معاني سياسية موضوعها الجيش أو سكرة الاحتفال بعد الانتصار في إحدى الحروب، أو للاحتفاء بتوحيد دولة ناشئة.
أما اليوم، فقد تحولت تلك الأناشيد التي كانت بمنزلة دعوة للحرب إلى رمز للبلد في المحافل الرياضية، إذ قبل كل مباراة في كأس العالم، يعزف النشيد الوطني للمنتخب المشارك، من دون أن ينتبه السامع إلى ما يستحضره هذا النشيد من صراعات ونزاعات شهدها ذلك البلد على مر التاريخ فأصبحت جزءاً أصيلاً من ماضيه.
تحليل للغة العداء في الأناشيد الوطنيةضمن هذا السياق، استعانت مجلة" الإيكونوميست" بالذكاء الصناعي لتحليل الترجمات الإنكليزية لكلمات الأناشيد الوطنية لجميع الدول المشاركة في كأس العالم 2026، ومن خلال ذلك صنفت الدول التي يخاصم بعضها بعضاً بناء على الإشارات الصريحة الموجودة في تلك الأناشيد أو الاستشهاد بمعارك محددة، أو شخصيات تاريخية معينة، أو رموز وطنية، وهكذا استبعدت الأناشيد الوطنية التي تقتصر على الموسيقى من دون الكلمات، مثل النشيد الوطني الإسباني، ونشيد البوسنة والهرسك.
خلص هذا التحليل إلى أن إسبانيا هي أكثر دولة جرى استعداؤها في الأناشيد الوطنية للدول الأخرى، فقد ورد ذكرها في ثلاثة أناشيد مختلفة، ويرجح سبب ذلك إلى حصول المستعمرات التي كانت تخضع لإسبانيا على استقلالها عبر حروب قامت بعد ثورات دموية، فعلى سبيل المثال، يستحضر النشيد الوطني لدولة الإكوادور صورة إسبانيا في" الأسد الساقط الذي يسمع زئيره العاجز واليائس"، بما أن الإكوادور بقيت جزءاً من الإمبراطورية الاستعمارية الإسبانية لثلاثة قرون ونيف.
أما هولندا التي ثار شعبها على الحكم الإسباني ضمن ما عرف بحرب الثمانين عاماً، فقد ورد في نشيدها الوطني كلمات أشد صراحة واستعداء لتلك الدولة الاستعمارية، إذ جاء فيه: " الإسبان يغتصبونك يا هولندا العزيزة"، غير أن هذا المقطع نادراً ما ينشد قبل المباريات.
وبما أن الأناشيد الوطنية عبارة عن قصائد، فإنها نادراً ما تحدد بصراحة من تلمح إليه، ولكن عند أخذ السياق التاريخي بعين الاعتبار، أصبح التحليل يشير إلى تسعة أناشيد وطنية إضافية ألمحت إلى عداوة تجاه بلدان أخرى، ومنها النشيد الوطني للولايات المتحدة، الذي يتضمن إشارة لبريطانيا.
وفي كل تلك الأناشيد، تحتل إسبانيا مرتبة الصدارة.
تمثل الأناشيد الوطنية جنساً أدبياً ذا طابع دموي، إذ باستثناء النشيد الوطني لثماني دول مشاركة في المونديال، فإن جميع الأناشيد الوطنية للدول المشاركة تشير إلى العنف بشكل أو بآخر، سواء عبر ذكر الجنود أو الدروع أو التهديد أو وصف المعارك التاريخية أو حتى الدعوة الصريحة للقتال، فقد جرت عادة الشعراء في القرن التاسع عشر على الاستعانة بصور الحرب والدم، في حين تبين من خلال التحليل بأن الأناشيد الوطنية التي كتبت بعد تلك الفترة لم تركز على القتل والحروب بتلك الحدة.
يعد النشيد الوطني البرتغالي بمنزلة قصيدة احتجاج ضد بريطانيا، وهو من أكثر الأناشيد نزوعاً نحو الدعوة للقتال، إذ يشتمل على 11 إشارة للعنف، كما يدعو الشعب إلى" حمل السلاح" 12 مرة.
في حين يحذر النشيد الوطني الفرنسي من قدوم عساكر أجانب أتوا" ليقطعوا حناجر أبنائكم وأزواجكم"، ويمجد نشيدا الأوروغواي وتونس فكرة الشهادة والتضحية.
لكن، ليست كل الأناشيد الوطنية على الدرجة نفسها من الدموية، فبعض الدول التي حققت أكبر توسع في العالم، تتبنى أناشيد وطنية تتسم كلماتها بسلمية لافتة، ومنها النشيد البريطاني الذي يتضرع إلى الله أن يحفظ الملك، في حين اعتمدت اسكتلندا نشيداً غير رسمي يسخر من الملك إدوارد الثاني.
أما النشيد الوطني الألماني فيمجد الحرية والوحدة والرفاه، وبالمقابل، يتمنى النشيد الياباني أن يحكم الإمبراطور إلى أن تتحول الحصى الصغيرة إلى صخور تغطيها الطحالب.
تشترك دولتان تستضيفان كأس العالم اليوم، وهما الولايات المتحدة والمكسيك، بفكرة الحرية والصراع والدين في نشيديهما، على الرغم من أن النشيد المكسيكي يشتمل على إشارات للعنف أكثر من الموجودة في النشيد الأميركي، كونه كتب في فترة خسرت خلالها المكسيك أراض عند تعرضها لغزو قوى أجنبية، وهذا ما جعل العلم الوطني للمكسيك يصور في النشيد بأنه يسبح وسط أمواج من الدماء.
وعلى النقيض من ذلك، يخلو النشيد الكندي من أي إشارة للصراع، ويتسم بتهذيب واضح، بعد أن جرى تعديل كلماته في عام 2018 لتصبح محايدة بالنسبة للنوع الاجتماعي.
عموماً، نادراً ما ينتبه مشجعو كرة القدم إلى كلمات الأناشيد التي تُسمع في الملاعب قبل المباريات، لكنها في الحقيقة تعبر عن ملاحم كلها حماسة وتسرد حكايا عن الفتح والتحرر والتضحية والفداء.
وعلى الرغم من كل تلك الدعوات الهجومية، فإن مباريات كرة القدم لن يحسمها السلاح بل التسديد الناجح نحو المرمى وبالتالي تسجيل الأهداف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك