في بلادي شعراء لا تشيخ قصائدهم مهما تبدلت الأحوال وتعاقبت الأزمات، تبقى إبداعاتهم صالحة لكل زمان ومكان، وقادرة على ملامسة وجدان الإنسان السوداني في مختلف العصور.
إنها أعمال تتجاوز حدود اللحظة التي كُتبت فيها، فتغدو إرثاً تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.
ويأتي الشاعر والصحفي السوداني الراحل سعد الدين إبراهيم (1951 ـ 2016) في مقدمة هؤلاء المبدعين الذين تركوا بصمة لا تُمحى في مسيرة الشعر الغنائي السوداني.
فقد تميزت تجربته بالخروج من القوالب التقليدية إلى فضاءات أرحب من الخيال والترميز والدلالة العميقة، حتى أصبحت قصائده مادة ثرية للتأويل، يقرأها كل متلقٍّ من زاويته الخاصة، وهو ما أكسبها قدرة نادرة على البقاء والتجدد.
كان سعد الدين إبراهيم شاعراً استثنائياً؛ فالكلمات عنده تولد مبصرة، ومفرداته تبدو قريبة من الوجدان، لكنها تحمل في طياتها طبقات متعددة من المعاني والتأملات الفلسفية والإنسانية.
وقد استطاع أن يوظف مفردات الحياة اليومية البسيطة ليصنع منها لوحات شعرية مدهشة، تجمع بين السهولة والعمق في آن واحد.
ورغم رحيله، ترك إرثاً إبداعياً خالداً تغنى به كبار الفنانين، ولعل من أبرز أعماله قصيدة «عن حبيبتي بقول لكم» التي صدح بها الفنان أبو عركي البخيت.
ففي هذه القصيدة تمرد الشاعر على المألوف في الأغنية السودانية، وارتقى بالحبيبة من كونها امرأة بعينها إلى رمز واسع الدلالة للوطن والقيم الإنسانية والجمال والخير.
وتتجلى هذه الرؤية في صور شعرية بديعة مثل قوله: «ومرة لاقت في المدينة الحمامات الحزينة»، حيث تتحول الحبيبة إلى طاقة إنسانية قادرة على إزالة الحزن وبعث الطمأنينة في النفوس.
وعند إسقاط هذه القصيدة على واقع السودان الراهن، تتحول من مناجاة عاطفية إلى مرثية وطنية تمزج بين الألم والأمل.
فالمدينة الحزينة التي تحدث عنها الشاعر تكاد تكون صورة مكثفة لمدن السودان اليوم؛ الخرطوم وأم درمان ومدن الجزيرة ودارفور وغيرها، وهي تعاني آثار الحرب والنزوح والتشريد.
وكانت أول مرة في عمر المدينةفي هذه الصورة البلاغية تبدو الحبيبة رمزاً لقوى السلام والخير التي يحتاجها الوطن اليوم ليغسل عن وجهه غبار الحرب ويعيد إلى مدنه شيئاً من السكينة المفقودة.
كما تتجلى أزمة الهوية والاقتلاع من الأرض في قوله:فهذه الأبيات تستحضر ملامح الشخصية السودانية الأصيلة المرتبطة بالأرض والزراعة والبساطة والتسامح.
لكنها تكتسب بعداً أكثر إيلاماً في ظل واقع النزوح واللجوء الذي أجبر ملايين السودانيين على مغادرة ديارهم وأراضيهم.
ويزداد الحنين وضوحاً في قوله:تدخل رواكيبنا وأوضنا الجميلةفالراكوبة والغرفة البسيطة ليستا مجرد مكانين للسكن، بل هما رمز للدفء الاجتماعي والأمان الأسري.
واليوم، أصبحت هذه المفردات تختزن وجع الفقد وحنين الملايين إلى بيوت هجرتهم عنها الحرب قسراً.
ومع ذلك، لا تخلو القصيدة من بارقة أمل، إذ يقول:فالنيل هنا رمز للعطاء المتجدد، ورسالة ضمنية بأن السودان، رغم جراحه العميقة، لا يزال يمتلك مقومات النهوض واستعادة عافيته متى ما صمت صوت البنادق.
ويبلغ الأمل ذروته في قوله:فكأن الشاعر يدعو السودانيين إلى التماسك والصبر والتشبث بالأمل، وإلى حماية نسيجهم الاجتماعي من الانكسار، إيماناً بأن السودان سيعود يوماً كما كان، وطناً للحياة والطمأنينة والجمال.
ولأن السودان زاخر بمثل هذه القامات الأدبية السامقة، فإن الحديث عن سعد الدين إبراهيم يفتح الباب لاستحضار أسماء أخرى أسهمت في إثراء المشهد الشعري السوداني، مثل محمد المهدي المجذوب، والتجاني يوسف بشير، ومحمد مفتاح الفيتوري، وصلاح أحمد إبراهيم، ومحمد سعيد العباسي، وحمزة الملك طمبل وعبدالعال السيد.
فهؤلاء جميعاً أسهموا في تشكيل الوجدان السوداني والعربي، وتركوا أعمالاً لا تزال تنبض بالحياة رغم مرور السنين.
إن الشعر الحقيقي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يستشرف المستقبل ويمنح الناس القدرة على الحلم.
ولهذا تبدو قصيدة «عن حبيبتي بقول لكم» اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، وكأنها كُتبت خصيصا لتواسي وطناً جريحاً، وتذكر أبناءه بأن خلف كل هذا الألم أملاً ينتظر أن يولد من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك