في الوقت الذي يحتفي فيه كثيرون بعيد الأب باستعادة الذكريات والحكايات التي تركت أثرًا في حياتهم، يجد عدد من الكتّاب والكاتبات في الأدب وسيلة للعودة إلى آبائهم، لا كما كانوا في الواقع فحسب، بل كما استقروا في الذاكرة.
وتتنوع صور الأب في الأدب العالمي والعربي بين الأب الصارم والأب الغائب والمناضل والمفقود، لتتحول العلاقة الشخصية إلى مادة روائية وسيرية تكشف جانبًا من تعقيدات العلاقة بين الآباء والأبناء.
من أبرز الأعمال التي تناولت هذه العلاقة، " رسالة إلى الوالد" لفرانز كافكا عام 1919، التي تقدم صورة أب ذي حضور طاغٍ، فيما استعاده الكاتب المغربي محمد شكري في" الخبز الحافي" عام 1972 في سياق طفولة طبعتها القسوة والفقر والعنف.
أما الكاتبة الفرنسية آني إرنو، فعادت إلى والدها في كتاب" المكان" عام 1983، محاولة فهم شخصيته وعالمه الاجتماعي بعد رحيله، بينما روى الأميركي فيليب روث في" إرث: قصة حقيقية" عام 1991 تجربة مرافقة والده في المرض والشيخوخة.
وفي الأدب العربي، استحضرت الكاتبة المغربية ليلى أبو زيد والدها المناضل في" رجوع إلى الطفولة"، فيما خصّص الروائي الليبي هشام مطر كتابه" العودة: آباء وأبناء والأرض الوسطى" للبحث في مصير والده الذي اختفى في سجون معمر القذافي.
الكاتبة المصرية لنا عبد الرحمن ترى أن الأب يشكل أحد المصادر الأولى التي تصوغ رؤية الإنسان للحياة، ما يفسر عودة الكتّاب إلى هذه العلاقة في أعمالهم سواء بدافع الفهم أو المصالحة مع الماضي أو للإجابة عن أسئلة ظلت معلقة لسنوات.
وأضافت، خلال مشاركتها في برنامج" ضفاف" على" العربي 2"، أن الأدب لا يقدم صورة توثيقية خالصة عن الأب، بل يعكس ما ترسخ في ذاكرة الكاتب من تجارب مؤثرة، مشيرة إلى أن الذاكرة تعيد تشكيل الشخصيات والأحداث مع مرور الزمن.
وترى أن صورة الأب في الأدب شهدت تحولات واضحة عبر الأجيال، إذ انتقلت من نموذج السلطة المطلقة والحضور المهيمن إلى شخصية أكثر إنسانية يمكن تأملها ومساءلتها وفهم نقاط قوتها وضعفها.
وبحسب عبد الرحمن، فإن الكتابة عن الأب لا ترتبط دائمًا بالرغبة في استعادة الماضي فحسب، بل قد تكون محاولة للتشافي من الألم أو للاحتفاظ بالذاكرة من النسيان، وهو ما يفسر استمرار حضور الآباء في الأدب حتى بعد رحيلهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك