في عالم تتشابك فيه المصالح وتتغير فيه المواقف بتغير الظروف، تبقى هناك أشياء لا تُشترى ولا تُصنع بقرارات سياسية أو حملات إعلامية، بل تنبت في قلوب الشعوب وتترسخ عبر سنوات طويلة من المواقف الصادقة.
ومن بين هذه الأشياء، تلك المحبة العفوية التي عبّر عنها أهالي قطاع غزة وهم يحتفلون بفوز المنتخب المصري، في مشهد حمل من الرسائل والمعاني ما تجاوز كثيراً حدود المستطيل الأخضر.
فور إطلاق صافرة النهاية وإعلان فوز منتخب مصر، لم تكن الفرحة حكراً على الشوارع المصرية وحدها، بل امتدت إلى قطاع غزة، حيث خرج فلسطينيون يرفعون الأعلام المصرية ويهتفون باسم مصر ولاعبيها، ويحتفلون وكأن الانتصار يخصهم شخصياً.
وبينما كان العالم يتابع المباراة باعتبارها حدثاً رياضياً، كان الفلسطينيون يقدمون مشهداً مختلفاً تماماً، مشهداً يكشف عمق العلاقة الوجدانية التي تربطهم بمصر وشعبها.
ما يمنح هذه المشاهد قيمتها الحقيقية أنها جاءت في وقت يمر فيه قطاع غزة بظروف استثنائية وقاسية، حيث يعيش السكان تحت وطأة حرب مدمرة وأوضاع إنسانية بالغة الصعوبة، ورغم ذلك وجد أبناء القطاع مساحة للفرح بمصر والانحياز إليها وتشجيع منتخبها الوطني، وهو ما يؤكد أن المشاعر الصادقة لا تلغيها الأزمات، بل ربما تزداد وضوحاً في أوقات المحن.
ولم تكن تلك الفرحة مجرد رد فعل رياضي عابر، بل كانت تعبيراً تلقائياً عن رصيد كبير من التقدير والامتنان لمصر.
فالشعوب لا تمنح محبتها مجاناً، ولا تخرج إلى الشوارع احتفالاً بدولة أخرى من باب المجاملة، وإنما تفعل ذلك حين تشعر بصدق المواقف وعمق الروابط، وما شاهدناه في غزة كان انعكاساً طبيعياً لعلاقة تاريخية طويلة تشكلت عبر عقود من التفاعل الإنساني والسياسي بين الشعبين المصري والفلسطيني.
لقد احتلت مصر دائماً مكانة خاصة في الوجدان الفلسطيني، ليس فقط بحكم الجغرافيا أو التاريخ المشترك، وإنما بسبب الدور الذي لعبته في دعم القضية الفلسطينية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في مختلف المراحل، وعلى مدار السنوات الماضية، كانت «القاهرة» حاضرة في كل الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية؛ من جهود التهدئة ووقف إطلاق النار، إلى إدخال المساعدات الإنسانية، وصولاً إلى التحركات السياسية والدبلوماسية الرامية إلى تخفيف معاناة الفلسطينيين والحفاظ على حقوقهم المشروعة.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن يشعر الفلسطينيون بأن فوز المنتخب المصري يمثل جزءاً من فرحتهم هم أيضاً، فالعلاقة بين الشعوب لا تُقاس فقط بما يُكتب في البيانات الرسمية أو ما يُتفق عليه في الاجتماعات السياسية، وإنما بما يستقر في الوجدان الجمعي من مشاعر وتقدير واحترام متبادل.
وعندما يخرج سكان منطقة تعاني الحرب والحصار للاحتفال بفوز دولة أخرى، فإن الرسالة هنا تتجاوز الرياضة لتصبح شهادة شعبية صادقة على مكانة تلك الدولة في قلوبهم.
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية أو نفوذها السياسي، وإنما أيضاً بقدرتها على كسب احترام الشعوب ومحبتها، وهناك فارق كبير بين نفوذ تفرضه المصالح المؤقتة، وتأثير تصنعه المواقف الثابتة والروابط الإنسانية.
وما شهدناه في غزة يعكس هذا النوع من التأثير الذي يصعب قياسه بالأرقام، لكنه يظهر بوضوح في اللحظات العفوية التي تخرج فيها المشاعر دون ترتيب أو توجيه.
كما أن هذا المشهد يؤكد حقيقة مهمة، وهي أن الدور المصري ترك أثراً عميقاً في الوعي الفلسطيني، فالمواقف الصادقة لا تضيع، والشعوب تحتفظ في ذاكرتها بمن يقف إلى جانبها وقت الأزمات، ولذلك جاءت فرحة الفلسطينيين بمصر وكأنها رسالة امتنان غير مكتوبة، ورسالة ثقة في دولة ظلت حاضرة في ملفات المنطقة الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ومن زاوية أخرى، فإن الاحتفال الفلسطيني بفوز المنتخب المصري يعكس استمرار المكانة الخاصة التي تحتفظ بها مصر داخل الوجدان العربي.
فهذه المكانة لم تُبنَ بالشعارات أو الخطابات، وإنما تشكلت عبر تاريخ طويل من الأدوار والمواقف والمسؤوليات التي جعلت اسم مصر حاضراً في قلوب ملايين العرب من المحيط إلى الخليج.
لقد كانت فرحة غزة بفوز مصر لحظة إنسانية نادرة وسط مشهد مثقل بالألم والمعاناة، لحظة كشفت أن الروابط بين الشعوب الحقيقية أقوى من الظروف وأبقى من الأحداث العابرة.
وربما تُنسى نتائج مباريات كثيرة بمرور الزمن، لكن تبقى مثل هذه المشاهد راسخة في الذاكرة، لأنها تعبر عن شيء أعمق من الرياضة وأكثر أهمية من مجرد انتصار كروي.
فما رأيناه في شوارع غزة لم يكن احتفالاً بهدف أو فوز أو بطولة، بل كان تعبيراً صادقاً عن محبة متبادلة بين شعبين جمعتهما روابط التاريخ والجغرافيا والمواقف.
وهي محبة لا تُشترى بالأموال، ولا تُصنع بالدعاية، بل تُبنى بالوفاء، وتترسخ بالمواقف، وتبقى حية في قلوب الشعوب مهما تغيرت الظروف وتبدلت الأحداث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك