يمكن أن يسأل البعض عن إثارة هذه القضية، فى هذا التوقيت، كون أن هذه القضية صارت من كلاسيكيات الماضى، وأن الأحداث الجسيمة التى وقعت فى العالم بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، بدءا من ثورات ما يطلق عليها زورا وبهتانا، الربيع العربى، ومرورا بحرب إبادة غزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وعربدة الكيان المحتل فى المنطقة، أسقطت وبالقاضية، كل شعارات الوهم والضحك على الذقون، من عينة حقوق الإنسان والقيم الإنسانية العليا، والحرية والديمقراطية؛ ولا يمكن أن ننسى كم دُمرت دول بسلاح هذه الشعارات، الفتاك!إثارة القضية، سواء الآن، أو من قبل، ليس من باب الاعتراض على هذه القيم العظيمة، فالحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، مبادئ نبيلة، ومُثل عليا، سعت البشرية لترسيخها، قرونا طويلة، إنما الإشكالية تتلخص فى احتكار طرف ما الحديث باسم هذه القيم ويقدم نفسه باعتباره المبعوث من السماء، والممثل الحصرى والحارس للقيم والأخلاق الإنسانية، بينما يكشف تاريخه قبل حاضره، عن تناقضات صارخة يصعب تجاهلها أو تبريرها.
الغرب، وأمامه وخلفه وعن يساره ويمينه، الولايات المتحدة الأمريكية، يقدمون أنفسهم باعتبارهم حراس الفضيلة والديمقراطية والحريات العامة، ومنحوا أنفسهم بكل غلظ عين، وبمخالفة لكل القوانين الوضعية والشرائع السماوية، تقييم الشعوب والدول والحكومات وفق معايير أخلاقية يحددونها هم؛ غير أن العودة لصفحات التاريخ وما سجلته من أحداث كارثية، تطرح سؤالا مشروعا وثقيلا ثقل الجبال: إذا كانت القيم جزءا جوهريا من الحضارة الغربية كما يقال، فمن أين خرجت أبشع صور الاستعباد والعنصرية والفاشية والنازية والاستعمار والطمع فى ثروات ومقدرات الشعوب؟التاريخ يفضح تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسى، والتى استمرت قرونا طويلة، وأن هذه التجارة لم تكن حادثا عابرا أو خطأ فرديا، ولكن كانت نظاما اقتصاديا وسياسيا متكاملا شاركت فيه قوى أوروبية كبرى؛ ملايين الأفارقة اُقتِلعوا من أوطانهم ونُقلوا فى ظروف لا إنسانية إلى الأمريكتين للعمل قسرا فى المزارع والمناجم، وفى ظروف غير آدمية، وتشير تقديرات مؤرخين ومراكز بحثية مرموقة، إلى أن ما يزيد على 12 مليون أفريقى رُحلوا قسرا عبر الأطلسى، مات عدد هائل منهم أثناء الرحلة بسبب قسوة الاستعباد والتعذيب!لم تكن العبودية مجرد سلوك عابر، أو ممارسة هامشية، وإنما كانت جزءا أصيلا من بناء الثروة الغربية الحديثة؛ مدن وموانئ ومؤسسات مالية كبرى ازدهرت بفضل تجارة البشر؛ والغريب أنه فى الوقت الذى كانت فيه تجارة العبيد رائجة، كانت خطابات التنوير والحرية تُكتب فى القارة ذاتها، وهنا يظهر مدى التناقض الصارخ، بين الشعارات والأقوال، وبين الأفعال!وانتقل الغرب من ممارسة تجارة البشر، إلى عصر الاستعمار الذى رفع شعار التحضر، بينما الهدف الاستيلاء على ثروات الشعوب؛ فى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، تعرضت مجتمعات كاملة للنهب والاستغلال ومصادرة الموارد، ولم يكن الهدف نشر القيم الإنسانية بقدر ما كان تأمين الثروات والأسواق ومصادرة النفوذ!ووسط المبالغة الشديدة فى التحضر ورفع شعارات القيم الإنسانية والأخلاقية وحقوق الإنسان، كانت الفاشية والنازية رمز الشر السياسى فى العصر الحديث، تخرج من قلب أوروبا؛ النازية لم تظهر فى قارة بعيدة أو حضارة أخرى، وإنما نشأت داخل واحدة من أكثر الدول الأوروبية تقدما فى كل المجالات، وكانت النتيجة حربا عالمية أودت بحياة عشرات الملايين، ومعسكرات إبادة أصبحت رمزا للرعب الإنسانى.
والمدهش أن الأفكار العنصرية، جوهر النازية لم تكن غريبة أو بمعزل عن المناخ السائد آنذاك؛ فمفاهيم التفوق العرقى والتمييز بين البشر كانت منتشرة فى أجزاء واسعة من الفكر الغربى فى القرنين التاسع الـ19 والـ20، واستخدمت لتبرير الاستعمار والهيمنة والتمييز العنصرى الفج!وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية، انتفض العالم وأدرك حجم الكارثة التى خلفتها الحرب، فدشن مواثيق حقوق الإنسان والأمم المتحدة، ومفاهيم جديدة لحماية الكرامة الإنسانية؛ هذا التحرك كان خطوة مهمة، لا يمكن إنكارها، لكن الإشكالية أن الالتزام بهذه المبادئ يسيطر عليه الانتقائية، ويخضع لموازين المصالح والقوة أكثر مما يخضع للمعايير الأخلاقية المعلنة!وصارت معايير حقوق الإنسان تتماهى مع المصالح السياسية، ترتفع الأصوات الغربية دفاعا عنها عندما تتوافق مع مصالحها، وتصمت عندما تتعارض مع مصالحها الاقتصادية وحساباتها الاستراتيجية؛ وهنا تندثر المصداقية وتدفن العدالة فى مقابر النسيان!ولهذا، ومن خلال هذا السرد المبسط، يقفز السؤال المشروع: هل القيم وحقون الإنسان مهمة؟ والإجابة بوضوح، نعم.
ثم ننتقل للسؤال الأهم: هل يحق لمن صنع العبودية واحتضن الفاشية والنازية، ومارس الاستعمار طويلا، أن يتحدث للعالم من موقع الواعظ الأخلاقى الذى لا يخطئ؟ بالطبع لا! فتحويل الأخلاق إلى أداة سياسية وتوظيف حقوق الإنسان لتحقيق مصالح وأهداف اقتصادية واستراتيجية، يجعل من الشعوب أكثر تشككا فى مصداقية الخطاب والشعارات، وما نشهده تحديدا منذ 2011 وحتى كتابة هذه السطور، يكشف بجلاء لا لبس فيه، أن كل هذه الشعارات، مجرد وهم كبير وضحك على الذقون!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك