نواكشوط –«القدس العربي»: لم يكن قرار الإفراج عن عدد من السجناء السلفيين الذين أعلنوا مراجعات فكرية وتخليهم عن أفكار العنف حدثاً معزولاً في مسار مكافحة التطرف في موريتانيا، بل جاء امتداداً لنهج اعتمدته الدولة منذ سنوات، يقوم على الجمع بين الحزم الأمني والحوار الفكري، في مقاربة جعلت البلاد استثناءً نسبياً داخل منطقة الساحل التي ما تزال تواجه تصاعداً مستمراً في نشاط الجماعات المتشددة.
فبينما اختارت دول عديدة مواجهة الظاهرة عبر الأدوات العسكرية والأمنية بصورة شبه حصرية، راهنت موريتانيا على مقاربة متعددة الأبعاد، تنطلق من اعتبار التطرف في جوهره أزمة فكر قبل أن يكون تهديداً أمنياً، وأن القضاء على التنظيمات المسلحة لا يعني بالضرورة القضاء على الأفكار التي تنتجها.
وقد أثبتت تجارب عديدة عبر العالم أن القوة العسكرية قادرة على تحييد الخطر المباشر وإضعاف القدرات العملياتية للجماعات المتطرفة، لكنها نادراً ما تنجح بمفردها في تفكيك البنية الفكرية التي تمنح العنف شرعيته وتضمن استمراره.
وعندما تختزل المواجهة في بعدها الأمني فقط، فإنها قد تعالج النتائج دون الأسباب، وتبقي البيئة الفكرية القادرة على إعادة إنتاج الظاهرة.
من هذا المنطلق، جاءت المقاربة الموريتانية لتبني معادلة مختلفة، تقوم على التكامل بين الأمن والتنمية والعمل الفكري والديني وإعادة الإدماج الاجتماعي، وهو ما يرى متابعون أنه ساهم في إبقاء البلاد بعيدة عن موجات العنف التي اجتاحت عدداً من دول الجوار خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة.
وتمثلت الركيزة الأبرز لهذه المقاربة في إطلاق حوارات علمية وفكرية مع السجناء المدانين في قضايا الإرهاب والتشدد، بإشراف لجنة من العلماء والفقهاء.
ولم يكن الهدف من هذه الحوارات التفاوض مع المتطرفين أو تقديم تنازلات سياسية، بل إعادة فحص الأسس الفكرية التي استندت إليها قناعاتهم، ومناقشة القضايا التي شكلت منطلقاً لخياراتهم العنيفة.
وشملت النقاشات ملفات تعد من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل الأدبيات الجهادية، مثل الحاكمية، والولاء والبراء، والجهاد وضوابطه، ونواقض الإسلام، والعذر بالجهل، والخروج على الحاكم، وتكفير الدولة وأجهزتها، واستباحة الدماء تحت ذرائع دينية مختلفة.
وكان الرهان الأساسي هو مواجهة التأويلات المتشددة بالحجة الشرعية، وإعادة قراءة النصوص في ضوء مقاصد الشريعة وأصول الفقه وتراكم الاجتهاد الإسلامي عبر القرون.
ولم تكن المهمة سهلة، خصوصاً مع بعض القيادات والعناصر التي حملت السلاح ضد الدولة عن قناعة فكرية راسخة، ودافعت عن مواقفها لسنوات طويلة.
غير أن جولات الحوار المتواصلة، التي جاءت بمتابعة من السلطات العليا، أفضت تدريجياً إلى مراجعات فكرية أعلن خلالها عدد من السجناء تخليهم عن أفكارهم السابقة وتبرؤهم من العنف والتكفير.
وقد تجسد التطور الأبرز في هذا المسار في إعلان أربعة عشر سجيناً سلفياً، خلال يونيو 2026، مراجعة أفكارهم السابقة والتخلي عن المواقف التي كانوا يتبنونها، مؤكدين التزامهم بمنهج الاعتدال ورفضهم للعنف.
وفي خطوة اعتُبرت استكمالاً لهذا المسار، صدر عفو رئاسي شمل تسعة من هؤلاء السجناء، بعد دراسة ملفاتهم الفردية، ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً مجتمعياً حول جدوى الحوار مع المتطرفين وحدود التسامح مع من سبق لهم حمل السلاح ضد الدولة.
ويرى مؤيدو هذه الخطوة أن تراجع شخصيات كانت تعد من أبرز رموز التيار الجهادي عن أفكارها السابقة يحمل قيمة تتجاوز البعد الفردي، لأن تأثيره يمتد إلى دوائر أوسع من الشباب الذين كانوا ينظرون إلى تلك الشخصيات باعتبارها نماذج وقدوات فكرية.
كما يعتبرون أن إعلان التوبة من داخل السجن ثم الاندماج مجدداً في المجتمع يوجه رسالة مفادها أن الدولة قادرة على الجمع بين الحزم في مواجهة العنف وفتح الباب أمام من يراجع نفسه ويختار العودة إلى المسار القانوني والسلمي.
غير أن التجربة الموريتانية لم تتوقف عند حدود المراجعات الفكرية أو العفو الرئاسي.
فبحسب المتابعين لهذا الملف، فإن السلطات تعاملت مع التراجع الفكري باعتباره بداية مسار لا نهايته، لذلك أرفقت عمليات الإفراج ببرامج للمواكبة الاجتماعية والمتابعة الإدارية والتأطير الفكري والمساعدة على الاندماج الاقتصادي.
ويستند هذا التوجه إلى قناعة مفادها أن التحول الفكري يحتاج إلى بيئة داعمة تضمن استمراره، وأن ترك السجناء السابقين في عزلة اجتماعية أو اقتصادية قد يخلق ظروفاً مواتية لعودة بعضهم إلى دوائر التشدد.
ولا تعد موريتانيا استثناءً في هذا المجال؛ فالجزائر اعتمدت بعد سنوات العنف خلال تسعينيات القرن الماضي مساراً للمصالحة الوطنية جمع بين الردع الأمني والعفو المشروط والحوار الديني وإعادة الإدماج، وأسهم في تقليص مستويات العنف بشكل كبير.
وفي ليبيا قادت مراجعات «الجماعة الليبية المقاتلة» داخل السجون بين عامي 2007 و2009 إلى تخلي مئات المعتقلين عن أفكارهم السابقة وإصدار وثائق فكرية واسعة الانتشار.
أما السعودية فأطلقت برنامج «المناصحة وإعادة التأهيل» الذي جمع بين الإرشاد الديني والدعم النفسي والتأهيل الاجتماعي، فيما شهدت مصر مراجعات واسعة داخل السجون تولتها قيادات بارزة في «الجماعة الإسلامية» و»جماعة الجهاد».
وفي نيجيريا اعتمدت السلطات برامج حوار ومراجعات مع عناصر جماعتي «بوكو حرام» و»أنصارو»، انتهت بإعلان مئات المقاتلين التخلي عن السلاح والاندماج مجدداً في المجتمع.
ويجمع هذه التجارب خيط مشترك يتمثل في أن المواجهة الأمنية وحدها لم تكن كافية، وأن الحوار الفكري وإعادة الإدماج شكلا جزءاً أساسياً من عملية احتواء التطرف وتجفيف مصادر تجنيده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك