إن الغرور الذي يملأ الشباب كثيرًا ما يملي عليهم سلوكًا خاصًا؛ فالحياة تبدو أمامهم واسعة، متسعة لكل أمل وطموح.
يحبون ويكرهون، يتأملون ويسرعون في خطواتهم، وكأن لا قانون يحكمهم سوى الاندفاع نحو ما يريدون.
يظنون أن الطاقة وحدها تكفي لاجتياز كل العقبات، وأن الحياة ليست إلا ساحة انتصار تُنتزع فيها الرغبات انتزاعًا.
في بدايات الشباب، تبدو الدنيا رحبة، وتبدو الذات قادرة على كل شيء؛ فيندفع الإنسان ليجرب، ويخوض، ويطلب الحب كما يطلبه غيره، ويكتب، ويحلم، ويغرق في خيالاته.
لكن الحياة لا تستجيب دائمًا لتوقعاته، ولا تنحني دائمًا لرغباته.
ومع مرور الوقت، تبدأ المواجهة الحقيقية؛ تنهار بعض الأحلام، وتُحرق بعض المدن الداخلية، وتتحول محاولات البناء إلى رمادٍ يتكرر.
يحاول الإنسان أن يعيد ترتيب ذاته بعد كل خسارة، فيجد نفسه أمام دورةٍ لا تنتهي من البناء والهدم، من الأمل والانكسار.
وهكذا قد تمر سنوات الشباب على غير ما يُتوقع: ليست كلها انتصارات، بل خليط من المحاولة والفشل، من الصعود والسقوط، من التقدم والتراجع.
وقد يجد الإنسان نفسه في موقعٍ لم يختره، لكنه وجد نفسه فيه مع الزمن.
ومع ذلك، فالسؤال يبقى: ما الذي يجب فعله؟الجواب لا يكون في الانتصار الدائم، ولا في الاستسلام الدائم، بل في الفهمأن يفهم الإنسان ذاته أولًا: حدوده، نقاط قوته، وضعفه، وكيف تتعامل الحياة معه لا كما يتخيلها هو.
أن لا يتحول الطموح إلى وهمٍ منفصل عن الواقع، ولا يتحول الفشل إلى نهايةٍ مطلقة.
فكل تجربة، مهما كانت قاسية، تحمل معنى يمكن البناء عليه.
المهم ليس أن لا نسقط، بل أن لا نتوقف عند السقوطوأن لا نُخدع لا بالغرور في البداية، ولا باليأس في النهايةفالحياة ليست ساحة انتصار دائم، ولا ساحة هزيمة دائمة، بل مساحة اختبار مستمر، يتعلم فيها الإنسان كيف يكون أكثر وعيًا بنفسه وبالعالم من حوله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك