عمان- مع كل فرحة نجاح أو تخرج أو زفاف يخص أحد أفراد العائلة، تنشغل كثير من الأسر في الاستعداد لهذه المناسبات التي تكثر في فصل الصيف، لكنها في ذات الوقت تغوص في تفاصيل حسابات مالية دقيقة في محاولة لتغطية الكلف المالية لهذه المناسبات.
اضافة اعلانوفي بعض الأحيان، تتزامن أكثر من مناسبة في نفس الشهر، فتتحول هذه الالتزامات بالنسبة للبعض إلى عبء مالي يستدعي الادخار المسبق أو اللجوء إلى الجمعيات والاقتراض أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وهو الأمر الذي يرى فيه مراقبون أن هذه المناسبات تحولت من مبدأ التكافل إلى الاستعراض أو المباهاة بين الأسر؛ إذ باتت تتطلب إنفاق مبالغ طائلة تفوق قدرة الأسرة، ما يشكل مشهدا يصور وجود عادات دخيلة على المجتمع الأردني، مما يدفع الكثيرين نحو اللجوء إلى القروض أو الاستدانة، وبالتالي أعباء إضافية تضاف على كاهل أرباب الأسر.
ولم يكن جميل هديب يتوقع أن يجتمع عليه في صيف واحد هذا العدد من المناسبات، فخلال أسابيع قليلة، بات يستعد للاحتفال بتخرج زوجته من الجامعة، وحضور حفل زفاف شقيقه، ثم مشاركة أحد أصدقائه المقربين فرحة زفافه أيضا.
وإدراكا منه لما تتطلبه هذه المناسبات من نفقات، بدأ الاستعداد لها مبكرا عبر الاشتراك في جمعية شهرية بقيمة 50 دينارا يقتطعها من دخله بشكل منتظم، غير أن المبلغ الذي سيحصل عليه لم يكن كافيا لتغطية جميع الالتزامات المترتبة عليه، ما اضطره إلى اقتراض مبلغ إضافي لمواجهة التكاليف المتزايدة.
ويقول جميل: " التحدي لا يكمن في المناسبات بحد ذاتها، بل في تزامنها مع التزاماته الشهرية تجاه أسرته ومنزله، ما يجعل الموازنة بين متطلبات الحياة اليومية والواجبات الاجتماعية مهمة ليست سهلة، حتى في أكثر اللحظات فرحا".
وتقول الأربعينية هيام خير: " إن فصل الصيف الحالي يحمل لها قائمة طويلة من الالتزامات الاجتماعية والشخصية التي تتجاوز بكثير قدرتها المالية المعتادة".
وتضيف: " لدي خلال الأسابيع المقبلة زفاف لأحد أفراد العائلة، وهذا يعني شراء ملابس جديدة إلى جانب النقوط، كما أن عددا من أقاربي المغتربين سيعودون إلى الأردن خلال الصيف، ومن الطبيعي أن أستضيفهم وأدعوهم إلى العشاء، وهي مصاريف لا يمكن تجاهلها".
وتتابع: " في الشهر المقبل أيضا لدي مناسبة تخرج لإحدى القريبات، ما يتطلب هدية ونقوطا، عدا عن مصاريف السهرات والجمعات العائلية التي تزداد خلال الصيف، والتي أصبحت بدورها تشكل عبئا ماليا إضافيا".
ولا تتوقف الالتزامات عند هذا الحد، إذ تستعد هيام للسفر خارج البلاد لحضور حفل تخرجها من إحدى الجامعات، في وقت يتزامن فيه ذلك مع موعد تجديد ترخيص سيارتها.
وتقول: " عندما أجمع كل هذه النفقات أجد أنها تتجاوز دخلي الشهري، بل ربما تعادل ما أتقاضاه خلال شهرين أو أكثر، والمشكلة أن معظم هذه الالتزامات مرتبطة بمناسبات سعيدة أو واجبات اجتماعية يصعب الاعتذار عنها، لذلك أجد نفسي مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتي وتأجيل بعض النفقات الأخرى حتى أتمكن من الوفاء بها".
أما المتقاعد عبدالله خليل، فيقول: " موسم الصيف الحالي جاء محملا بالتزامات مالية متلاحقة، بعضها لم يكن في الحسبان، ما وضعني أمام ضغوط مالية كبيرة في وقت أواصل فيه بناء منزلي".
ويضيف: " تفاجأت بتحديد موعد زفاف ابن شقيقتي خلال الصيف، وبعدها بفترة قصيرة زفاف ابن خالي، إلى جانب مناسبتي تخرج لاثنين من أقاربي، وكل مناسبة من هذه المناسبات تحتاج إلى مصاريف والتزامات اجتماعية لا يمكن تجاهلها".
ويقول: " لو كانت هذه المناسبات موزعة على مدار العام لكان التعامل معها أسهل، لكن اجتماعها خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع كلف البناء، وضعني في موقف مالي صعب لم أواجهه من قبل".
ويؤكد عبدالله أنه بات يفكر جديا في الحصول على قرض لتغطية جزء من التزاماته الحالية، موضحا أن الراتب والمدخرات المتاحة لم تعد كافية لمواجهة النفقات المتراكمة خلال هذا الموسم.
بيانات مسح نفقات ودخل الأسرة الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة للعام 2017/2018، وهو آخر مسح نفذته الإحصاءات حول النفقات ودخل الأسر، كانت أظهرت أن متوسط الإنفاق السنوي للأسر الأردنية على السلع الغذائية وغير الغذائية والخدمات، بلغ ما يقارب 12519 دينارا، حيث شكل الإنفاق على السلع الغذائية ما نسبته 32.
6 % من مجموع الإنفاق الكلي، وبلغ متوسط إنفاق الفرد السنوي منه على الغذاء نحو 843 دينارا.
ومن منظور أكاديمي واقتصادي لهذه المشكلة الموسمية، قال أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري: : إن الأعباء المالية التي تفرضها المناسبات الصيفية على الأسر لا تختلف كثيرا عن تلك المرتبطة بالأعياد أو مواسم العودة إلى المدارس، إذ تترتب عليها نفقات إضافية في وقت تعاني فيه العديد من الأسر أصلا من ضغوط معيشية وتراجع في قدرتها الشرائية مقارنة بسنوات سابقة".
وأضاف: " هذه المناسبات، رغم طابعها الاجتماعي والاحتفالي، أصبحت تشكل هما وضغطا ماليا على شريحة واسعة من الأسر الأردنية، خاصة مع تزامن أكثر من مناسبة خلال فترة زمنية قصيرة".
وأشار الحموري إلى أن التخطيط المسبق يعد من أهم الوسائل للتخفيف من وطأة هذه الأعباء، من خلال تخصيص جزء من الدخل أو الادخار المبكر لمواجهة النفقات الموسمية المتوقعة، إلى جانب تعزيز ثقافة الادخار لدى الأبناء منذ سنوات الدراسة، وتشجيعهم على الاحتفاظ بجزء من مصروفهم للاستفادة منه خلال العطلة الصيفية.
ولفت إلى أهمية البحث عن بدائل ترفيهية أقل كلفة، من خلال تنظيم أنشطة اجتماعية وعائلية مشتركة بين عدد من الأسر، بما يسهم في تخفيض النفقات وتعزيز الروابط الاجتماعية في الوقت ذاته.
وأكد الحموري أن التكافل الاجتماعي يمكن أن يؤدي دورا مهما في التخفيف من الضغوط التي تواجهها بعض الأسر، سواء من خلال دعم الأنشطة والنوادي الصيفية أو المساهمة في تغطية رسوم مشاركة الأطفال من الأسر الأقل دخلا، بما يساعد على الحد من الضغوط المالية وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين دخل الأسرة ومتطلباتها المختلفة.
إلى ذلك، أكد الناطق الإعلامي للجمعية الوطنية لحماية المستهلك ماهر حجات، أن المناسبات الاجتماعية أصبحت عبئا ماليا ونفسيا على كثير من الأسر نتيجة لضعف القدرات الشرائية للأسر والظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها وتحولها من مناسبات تكافل إلى الاستعراض أو المباهاة ما بين الأسر، إذ باتت تتطلب إنفاق مبالغ طائلة تفوق قدرة الأسرة، مما يدفع الكثيرين نحو اللجوء إلى القروض أو الاستدانة وبالتالي أعباء إضافية تضاف على كاهل رب الأسرة.
ولفت حجات إلى أن تعدد المناسبات وكثرتها أدت إلى دخول الأسر في أزمات مالية طويلة الأمد؛ إذ كانت تقتصر المناسبات الاجتماعية على الأفراح وتوسعت الآن لتشمل حفلات تخرج المدارس والجامعات وأعياد الميلاد وغيرها من المناسبات التي أدخلت الأسر في ضيق مالي نتيجة لارتفاع تكاليف هذه المناسبات، ناهيك عن أن هذه المناسبات أصبحت واجبا لا يمكن التهرب منه وهذا كله أثر على دخل الأسر بشكل سلبي، وهذا الأمر مع تراكم الديون سوف يولد تدريجيا فرقة ما بين الأقارب والأصدقاء ناهيك عن الخلافات الأسرية.
وللتعامل مع هذه المناسبات دون الوقوع في فخ الاعتلال المالي، دعا حجات الأسر إلى الامتثال إلى المبادرات الاجتماعية، التي بدأت في الظهور خلال السنوات القليلة الماضية، إذ إن هذه المبادرات أو المواثيق تؤدي إلى وقف النزيف المالي للأسر، والابتعاد عن مخالفة الدين والأعراف والتقاليد الإيجابية، لا سيما في ظل تنامي مظاهر البذخ والإسراف في كثير من المناسبات خلال الفترة الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك