من صفات التعليم الأساسية أن يكون تعليمًا تربويًا ينطلق من منظومة متكاملة هدفها بناء شخصيّة الطالب بشكل شمولي، بعيدًا عن التلقين والاستظهار، واضعًا نصب عينيه أهدافا نبيلة لا غنى عن تحقيقها، كغرس القيم، ومهارات التفكير العليا، ولا يقتصر التعليم على مرحلة محدّدة من عمر الفرد بل يمتد من المهد إلى اللحد.
اضافة اعلانومن ينظر اليوم إلى المدرسة في العالم الثالث من بعيد بعين الناقد الموضوعي، يرى انحرافًا كبيرًا عن أهداف التعليم ودور المدرسة كمؤسسة تنويرية، ولا يخفى على أحد أن التعليم المدرسي يسير بانحدار متسارع نحو القاع في معظم هذه الدول، وبفوضى خلّاقة تلهث خلف كلّ تقدّم تكنولوجي بتقليد أعمى وخلل في التطبيق بخطى متسارعة.
تمّ تفريغ رسالة المدرسة من مضمونها بصفتها حاملة راية التغيير فعانت من الإفلاس القيمي، وأصبح شعار إعادة تأهيل أنصاف المعلمين، بل وإعادة تأهيل المدراء العناوين البارزة، وسادت أزمة الثقة بين التربويين وتأثروا سلبًا بإفرازاتها، لم تنته المدرسة بشكلها الفيزيائي ولكنها أصبحت جسدًا بلا روح، وانحرفت بوصلتها نحو المعرفة وتهميش الجانب القيمي، ما زالت تلك الدول تدعو إلى الانكفاء على الذات والتغنّي بالماضي، ومتمركزة حول ذاتنا، ولا تعطي وجهة النظر الأخرى أيّ اعتبار كرد فعل تقوم به تجاه حالات الفشل التي تواجهها، بل يجب عليها استرداد الذات والعمل على توكيدها، برفض السردية المبتذلة بأنها عالم ثالث عاجز عن التفكير البنّاء، والابتعاد عن تخوين أيّ أفكارٍ إبداعية قادمة من الغرب بمخاوف غير مبرّرة وتشكيك بكل جديد على الساحة التربوية ولسان حالها يقول: وراء الأكمة ما وراءها، ومن المنطق وضع نفسها مكان الطرف الآخر عند مناقشة أيّ قضية أو مسألة حتى تسلم من الانحياز المعرفي.
وليست الدعوة إلى مجتمع بلا مدارس أو تسريح جيش المعلمين بالرغم من حمولته الزائدة، وتوجيه إمكانيات تلك الدول نحو اقتصادٍ متين أو قوّة عسكريّة مبالغ فيها، بل الاهتمام برأس المال الفكري وتنميته، وليس محرّم عليها انتقاد الآخر، فهو حقّ يكفله لها القانون وضمن سياقات أخلاقية معينة، أمّا أن تكون دائمة النقد لذاتها فذلك يُعدّ اضطراب نفسي(فصام) يقتضي العلاج.
وما زلنا نسمع بروباغندا مسؤولي التعليم في العالم الثالث وفي كلّ محفل يتغنون بإنجازات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع، وكأنهم مفصومين عن الواقع باستنفار خادع يزرعون الوهم ويعيشونه بإنجازات لا تمت إلى الواقع بصلة.
أصبح استنشاق المركز الوظيفي وهضمه وعصره وشربه هو الهدف، وأصبح المعلّم مجرّد ظل (خيال مآتة) يلهث وراء الترقيات الزائفة يرى نهاية النفق بتقاعد يضمن له أساسيات الحياة، وانهدم جدار الاحترام المتبادل بينه وبين الطلبة، ونأى التربويون بأنفسهم جانبًا بعيدًا عن حمل راية التغيير، وخسر المجتمع نصفه المثقف، ونادت كثير من المؤسسات بل حتى أولياء الأمور بالتعليم عن بعد؛ لأنّ المدرسة بنظرهم لم تعد سوى مركز إيواء للطلبة.
يصطف المثقفون مع كلّ تغيير مدروس يصب في مصلحة التعليم يهتم بالكيف لا بالكم، تصيغه أيدٍ أمينة واضعة نصب أعينها مصلحة الوطن والمواطن، تعيد القيم المجتمعية التي تبخّرت إلى سالف عهدها بثوب جديد يتناسب مع معطيات الحاضر دون التنازل أو التخلّي عن الأساسيات: كوحدة المجتمع، وبناء الأسرة، والامتداد التاريخي للأمّة، ولو تتبعنا التعليم كمهنة مقدّرة اجتماعيًا منذ نشأتها حتى يومنا هذا لوجدناها فقدت بريقها ورونقها كمهنة وتلاشت قيمتها كرسالة، وما هذا الحال إلًا امتداد لتخلّي المدرسة عن زرع وتنمية القيم في نفوس النشء وأصبح شغلها الشاغل تحصيل المعرفة، وأصبح التعليم لا تربوي واتخذ صفة التعليم البنكي واختبارات معتمدة كليًا على الحفظ والاستظهار، وابتعدت الأهداف السلوكية (الخطة اليومية) عن الأهداف الوجدانية (الانفعالية) وحتى الأهداف المعرفية لم تعد الحصة الدراسية تتسع لتحقيقها؛ لضعف إدارة المعلمين لصفوفهم بفعل الاضطرابات السلوكية والانفعالية التي يعاني منها أكثر الطلبة وعلى رأسها التنّمر، والمشاكسة.
ومنذ أن اختل ميزان التربية والتعليم لصالح التعليم، أصبح المجتمع المدرسي بلا أمان، وباتت حوادث القتل الجماعي حتى في أرقى الأمم وأرقى المدارس والجامعات تتصدر الصحف اليومية، وهناك إحصائية على سبيل المثال لا الحصر لحوادث القتل في الولايات المتحدة الأميركية تجاوزت حوادث القتل المدرسي منذ عام (2005 م) حتى عام( 2023 م) اثني عشر حادثًا راح ضحيتها مئات الطلبة ومن بينهم أعضاء هيئة تدريس.
التربية والتعليم صنوان لا ينفصلان ينتمي كل ّمنهما إلى الآخر انتماءً عضويًا يموت أحدهما بفصله عن الآخر، ومن البديهي أن جدران وأبواب ومقاعد وساحات المدرسة غير قادرة على التعليم وغرس القيم، وحده المعلّم القادر على تغيير العقل الجمعي، ونحن في الأردن تعلمنا الدرس وحظينا برعاية ملكية سامية تسعى لأن يكون الأردن في مصاف الدول المتقدمة تربويا تغذ الخطى نحو غد مشرق بإزالة الحمولة الزائدة من المعارف، وتبحث عن حلول دائمة تعيد للمدرسة رونقها وللمعلم مكانته، فأصبحنا قاب قوسين أو أدنى من مستوى الدول المتقدمة فجامعاتنا تنافس أعرق الجامعات العالمية، وانتشر خريجوها في مشارق الأرض ومغاربها بتميز منقطع النظير، والقادم أجمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك