عمان – في ضوء نتائج المرحلة الأولى من المفاوضات بين واشنطن وطهران، تبدو الصورة مركبة بين رسائل التصعيد التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبين محاولات إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحا.
اضافة اعلانوتعكس تهديدات ترامب وإصراره على إظهار خيار القوة أداة للضغط، حاجة داخلية لتعزيز صورته أمام قاعدته السياسية، لكنها في الوقت نفسه لا تلغي حقيقة أن الطرفين يحرصان على استمرار الحوار رغم العقبات.
وتكشف المؤشرات الأولية أن الدبلوماسية ما زالت قادرة على إنتاج تفاهمات جزئية، حتى وإن ظلت الملفات الأكثر حساسية مؤجلة، إذ إن إيران تسعى إلى الظهور بمظهر المنتصر أمام جمهورها، فيما يصر ترامب على ترسيخ صورة الحزم والصلابة أمام مؤيديه.
ويوحي هذا التوازن بين التصعيد والبحث عن مخارج تفاوضية، بأن الدبلوماسية لم تفقد جدواها بعد لكنها تعمل تحت سقف تهديد دائم بالقوة، ما يجعل نتائجها رهينة حسابات داخلية بقدر ما هي مرتبطة بالملفات الإقليمية والدولية.
ولا تعكس المرحلة الأولى من المفاوضات نهاية الطريق، بل تؤشر إلى أن الدبلوماسية ما زالت منتجة وإن كانت محاطة بضغوط سياسية وإعلامية تجعلها أقرب إلى إدارة أزمة مستمرة منها إلى تسوية نهائية.
تعليقا على ذلك، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية الأردنية الدكتور بدر الماضي، أن حالة عدم اليقين ما تزال السمة الغالبة على المشهد، سواء قبل انطلاق المفاوضات أو خلال انعقادها، بل وحتى في المرحلة التي قد تليها.
ومع ذلك، أشار الماضي إلى وجود مؤشرات أولية توحي بإمكانية تحقيق تقدم في مسار التفاوض، بما قد يفتح الباب أمام التوصل إلى إطار اتفاق مهم بين الولايات المتحدة وإيران.
وأكد أن طهران سعت إلى استثمار حاجة واشنطن لإنهاء حالة التوتر والتداعيات التي أفرزتها الحرب الأخيرة، إلى جانب الاستفادة من التباينات التي برزت بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بشأن بعض الملفات المرتبطة بالأزمة.
وأوضح في المقابل أن صبر الإدارة الأميركية لن يكون مفتوحا إلى ما لا نهاية، وأن واشنطن لن تسمح باستمرار المفاوضات إذا رأت أنها تُستخدم فقط لخدمة المصالح الإيرانية أو كوسيلة لكسب الوقت.
ورجح أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيدا أميركيا، ولو على المستوى السياسي والخطابي، للضغط على طهران ودفعها نحو تقديم تنازلات أو إبداء مرونة أكبر في المباحثات.
وشدد الماضي على أن الولايات المتحدة لا تبدو راغبة في العودة إلى خيار المواجهة العسكرية خلال الفترة الحالية أو في الأشهر المقبلة، في ظل اعتبارات داخلية تتعلق بالانتخابات والأوضاع الاقتصادية.
وأضاف أن المسار الدبلوماسي ما يزال الخيار الأكثر ترجيحا للطرفين، وأن فرص التوصل إلى تفاهمات عبر التفاوض لا تزال قائمة، لافتا" إلى أن قدرة إيران على تحمل الضغوط تبدو أكبر من نظيرتها الأميركية، نظرا إلى أن النظام الإيراني لا يواجه القيود ذاتها المرتبطة بتأثير الرأي العام الداخلي، في حين تخضع الإدارة الأميركية لضغوط متزايدة من الرأي العام المحلي والدولي".
وبين الماضي أن عامل الوقت يمثل تحديا حقيقيا لواشنطن، التي لا تملك هامشا واسعا للمماطلة لكنها في الوقت نفسه لن تتقبل استمرار أي تكتيكات تفاوضية تهدف إلى إطالة أمد المحادثات دون نتائج ملموسة.
واعتبر أن المعطيات الحالية لا تشير إلى عودة وشيكة للحرب، كما أنها لا تعكس وجود اختراق حاسم في المفاوضات حتى الآن.
ورأى الماضي أن المرحلة المقبلة قد تشهد قدرا أكبر من التعقيد، بالتوازي مع جهود يبذلها الوسطاء وفي مقدمتهم قطر وباكستان، لتقريب وجهات النظر وتسهيل التوصل إلى تفاهمات بين الجانبين.
بدوره، قال الباحث والمحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى ترسيخ صورة القوة والحزم في أذهان مؤيديه، باعتبارها أحد أهم المرتكزات التي يقوم عليها خطابه السياسي.
وأوضح السبايلة أن الحفاظ على هذه الصورة أصبح أكثر أهمية في ظل تزايد الجدل داخل الحزب الجمهوري وبين أوساط حركة" ماغا" بشأن ما إذا كانت إدارته قد قدمت تنازلات في بعض الملفات الخارجية.
وأضاف أن ترامب يعمل على إعادة إنتاج سياسة تقوم على التلويح بالقوة واستخدامها كأداة ضغط لفرض شروطه وتحسين موقعه التفاوضي، وهو ما يفسر حرصه على إبقاء الخيار العسكري مطروحا على الطاولة، حتى وإن لم يكن هناك توجه فعلي نحو الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة.
وأشار إلى أن استمرار الحديث عن إمكانية اللجوء إلى القوة يمنح ترامب مكاسب سياسية داخلية، حيث يعزز صورته أمام قاعدته الشعبية بصفته رئيسا قادرا على فرض إرادة الولايات المتحدة وعدم التراجع عن مواقفها.
كما أنه يبدد الانطباعات التي ترددت أخيرا حول تراجع واشنطن عن اعتماد القوة كخيار في إدارة الأزمات الدولية.
وفي المقابل، يرى السبايلة أن الطرفين - الأميركي والإيراني- حريصان على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة رغم العقبات والتحديات المتوقعة على طول مسار المباحثات.
وقال: إن كل منهما يدرك أهمية استمرار العملية التفاوضية حتى في ظل الخلافات العميقة التي ما تزال قائمة بينهما.
وأوضح السبايلة أن القيادة الإيرانية تسعى بدورها إلى الظهور بمظهر المنتصر أمام جمهورها الداخلي وأنصارها، فيما يحاول ترامب المحافظة على صورة القوة والصلابة أمام قاعدته السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن كلا من الطرفين يوظف المفاوضات بما يخدم اعتبارات داخلية لا تقل أهمية عن الأهداف السياسية والإستراتيجية المباشرة للمحادثات نفسها.
فيما قال المختص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور: إن مسار المفاوضات الجارية يعكس حرص إيران على مراعاة اعتبارات الرأي العام الداخلي، في ظل وجود تيارات محافظة ومتشددة تعارض أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة سواء داخل الحرس الثوري أو في الأوساط السياسية والشعبية الإيرانية.
واعتبر منصور أن الساحة الإيرانية تشهد نقاشات وخلافات بشأن طبيعة الاتفاق وحدوده، وهو ما انعكس على بعض المواقف والسلوكيات التي رافقت المفاوضات، بما في ذلك التحفظ في بعض الجوانب البروتوكولية والردود المتشددة على التصريحات والتهديدات الصادرة عن الرئيس الأميركي.
وأضاف أن القراءة الجوهرية للمشهد تختلف عن المظاهر الإعلامية والسياسية، مشيرا إلى أن مجرد حضور الوفد الإيراني إلى طاولة المفاوضات واستمرار الاجتماعات لفترة ممتدة، إلى جانب إحالة الملفات الخلافية إلى لجان فنية وتقنية متخصصة يمثل مؤشرا واضحا على أن المسار الدبلوماسي يحظى بفرصة حقيقية للتقدم.
وأكد منصور أن الطرفين يدركان الحاجة إلى التوصل لتفاهمات واتفاقات تخدم مصالحهما، وهو ما يفسر استمرار الحوار رغم التباينات القائمة.
ولفت إلى أن التوترات المرتبطة بلبنان وإسرائيل جرى احتواؤها إلى حد كبير، بما يضمن عدم انعكاسها سلبا على أجواء المفاوضات أو التأثير في مسارها.
ورأى أن الانطباع السائد حاليا يشير إلى وجود تقدم ملموس وأجواء أكثر إيجابية مقارنة بالمراحل السابقة، معتبرا أن الحاجز النفسي والسياسي بين الطرفين قد تم تجاوزه إلى حد كبير، وأن خيار التفاوض بات أكثر رسوخا من أي وقت مضى.
وأشار منصور إلى أن هذه التطورات تعزز فرص استمرار المسار الدبلوماسي وتدفع خيار المواجهة العسكرية إلى مزيد من التراجع، موضحا أن اللجوء إلى القوة لا يبدو مطروحا بصورة واقعية خلال المرحلة الحالية، خصوصا في المدى المنظور.
وشدد على أن نتائج المفاوضات حتى الآن توفر أرضية يمكن البناء عليها في الجولات المقبلة، بما قد يقود إلى تفاهمات أوسع إذا استمرت الأجواء الإيجابية قائمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك