عمان – منذ أن أطلقت اللجنة الإدارية النيابية حوارها الوطني حول مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، وإطلاقها منصة إلكترونية لتلقي الملاحظات والمقترحات حوله، ظهر جلياً أن النقاش تجاوز حدود المواد القانونية إلى أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل اللامركزية، وحدود صلاحيات البلديات، وشكل العلاقة بين الإدارة المنتخبة والإدارة التنفيذية.
اضافة اعلانوخلال الأسابيع الماضية، عقدت اللجنة الإدارية سلسلة لقاءات موسعة، استباقاً لبدء الدورة الاستثنائية المرتقبة في النصف الأول من الشهر المقبل، والتي سيكون أبرز جدول أعمالها مشروع قانون الإدارة المحلية.
وشملت تلك اللقاءات رؤساء بلديات سابقين، ورؤساء مجالس محافظات، وأمناء عامين للأحزاب السياسية، إضافة لاستقبال ملاحظات عبر المنصة الإلكترونية التي أطلقتها خصيصاً لهذا الغرض.
رغم تنوع المشاركين واختلاف مواقعهم، إلا أن القراءة الرصدية لمجمل النقاشات تكشف وجود مجموعة من القضايا حظيت بإجماع واسع، مقابل عدد محدود من النقاط التي ما تزال محل جدل.
رفض تقليص الصلاحيات المنتخبةلعل أكثر الملاحظات تكراراً بمختلف اللقاءات تمثلت بالتحفظ على أي توجه من شأنه تقليص صلاحيات الهيئات المنتخبة لصالح الجهاز التنفيذي.
فقد أبدى رؤساء بلديات سابقون، وعدد من النواب والأحزاب، اعتراضهم على منح المدير التنفيذي صلاحيات واسعة قد تؤدي عملياً لإضعاف دور رئيس البلدية والمجلس المنتخب.
وتكررت الدعوات إلى أن يبقى رئيس البلدية هو رأس الجهاز التنفيذي وصاحب الولاية الإدارية داخل البلدية، باعتبار أن شرعيته مستمدة من الانتخاب المباشر، وأن أي ازدواجية في القرار قد تخلق إرباكاً بالإدارة المحلية وتضعف المساءلة أمام المواطنين.
إجماع على بقاء مجالس المحافظات المنتخبةأما القضية الثانية التي حظيت بأوسع توافق تمثلت بالتمسك باستمرار مجالس المحافظات المنتخبة وعدم العودة للتعيين أو التمثيل المؤسسي كبديل عنها.
ورأى المشاركون أن تجربة اللامركزية، رغم ما واجهته من تحديات، أسهمت بتوسيع المشاركة الشعبية وإيصال أولويات المحافظات لصانع القرار.
وبرزت دعوات لتطوير التجربة بدلاً من إلغائها، عبر تعزيز صلاحيات المجالس وتحسين آليات عملها وربطها بصورة أوضح بعملية إعداد الموازنات التنموية.
ومن بين أبرز الرسائل التي حملتها الحوارات، مطالبة الجهات المعنية بوقف التعديلات المتكررة على قانون الإدارة المحلية.
وأشار رؤساء البلديات ومجالس المحافظات إلى أن التشريعات الناظمة للعمل المحلي شهدت تعديلات عديدة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي انعكس على استقرار المؤسسات المحلية وقدرتها على التخطيط طويل الأمد.
ويبدو أن هناك قناعة متنامية بأن نجاح أي نموذج للإدارة المحلية يحتاج لاستقرار تشريعي يسمح بتراكم الخبرة وتقييم النتائج بعيداً عن التغييرات المستمرة.
الاعتراض على حل المجالس قبل انتهاء مدتهاومن الملاحظات التي حضرت بقوة كذلك، رفض حل المجالس المنتخبة قبل انتهاء مدتها القانونية إلا في حالات استثنائية ومحددة.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن حل المجالس بصورة متكررة يضعف ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية، ويؤثر على استمرارية المشاريع والخطط التنموية التي تحتاج إلى وقت للتنفيذ والمتابعة.
تعزيز الاستقلال المالي للبلدياتوتكاد كل اللقاءات تكون قد توقفت عند التحدي المالي الذي تواجهه البلديات، فالأطراف المشاركة، سواء من البلديات أو الأحزاب أو النواب، شددت على أن أي تطوير للإدارة المحلية لن ينجح دون توفير موارد مالية مستقرة.
وطرحت مقترحات تتعلق بزيادة الدعم الحكومي، وتوسيع مصادر الإيرادات المحلية، والحفاظ على الصلاحيات الاستثمارية للبلديات، بما يمكنها من تنفيذ مشاريع تنموية حقيقية بدلاً من الاكتفاء بالأدوار الخدمية التقليدية.
الموازنة من القاعدة إلى القمةومن الأفكار التي لاقت اهتماماً لافتاً الدعوة لاعتماد نهج تصاعدي في إعداد الموازنات التنموية، بحيث تبدأ الأولويات من المجالس المحلية ومجالس المحافظات قبل وصولها إلى الموازنة العامة للدولة.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أنه يعزز العدالة بتوزيع المشاريع ويضمن توجيه الإنفاق نحو الاحتياجات الفعلية للمحافظات بدلاً من فرض أولويات مركزية قد لا تعكس الواقع المحلي.
توافق حزبي على ربط القانون بمسار التحديث السياسيأما الأحزاب السياسية، فقد ركزت بصورة واضحة على ضرورة انسجام مشروع القانون مع مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية.
وفي هذا السياق، أكدت معظم المداخلات الحزبية أهمية توسيع المشاركة الشعبية، وتعزيز دور المرأة والشباب، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة.
وأبدت تحفظاتها على أي مواد يمكن أن تقلل من الطابع التمثيلي للمجالس المحلية أو تحد من التنافس الديمقراطي.
وبعد هذا الحراك الحواري الواسع، يبدو أن اللجنة الإدارية النيابية نجحت بتحويل مشروع القانون إلى واحد من أكثر التشريعات نقاشاً خلال الفترة الحالية؛ وإذا كان من المبكر الجزم بالشكل النهائي الذي سيخرج به القانون، فإن ما أفرزته الحوارات حتى الآن يكشف بوضوح عن وجود ثلاثة عناوين رئيسية تحظى بتوافق شبه كامل بين مختلف الأطراف: الحفاظ على الصلاحيات المنتخبة، وتعزيز اللامركزية، وضمان الاستقلال المالي والإداري للمؤسسات المحلية.
ويبقى التحدي أمام مجلس النواب بترجمة هذا التوافق لنصوص قانونية واضحة تحقق التوازن بين متطلبات الإدارة الحديثة وحق المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها والمشاركة الفاعلة بصناعة القرار التنموي، بما يجعل قانون الإدارة المحلية الجديد خطوة حقيقية نحو تعميق الإصلاح السياسي والإداري، لا مجرد تعديل تشريعي جديد يضاف إلى سلسلة القوانين السابقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك