القناعة والرضا هما علامتان مميزتان في الشخصية الأردنية، أضف عليها القدرة على إدارة التوقعات وفقا للإمكانات المتاحة.
في السابق كان الحديث عن الغلاء موسميا يشتد أياما ويخفت أياما أكثر، أما اليوم فالأمر مختلف تماما، فالأسعار لم تعد خبرا عابرا، بل حاضرة في كل حديث من مناسبات أفراح إلى أتراح إلى جلسات أصدقاء وأقارب وحتى إلى الأحاديث التي تبدأ في أي موضوع سرعان ما تعرج وتنتهي عند الأسعار والإيجارات.
اضافة اعلانولأن الشيء بالشيء يذكر، لم يعد العثور على منزل للإيجار مسألة بحث عن موقع مناسب أو مساحة معقولة، بل اختبار يومي لقدرة الطبقة الوسطى على الصمود أكثر، فالمشكلة لم تعد في ارتفاع الأسعار أو في الشعور المتزايد بأن سوق الإيجارات انفصل عن الواقع، بل لأن الأرقام المعروضة لا تخضع لمنطق اقتصادي مفهوم، بقدر ما تخضع لمعادلة يفرضها الملاك والسماسرة، في غياب أيّ مرجعية واضحة أو توازن حقيقي بين العرض والطلب.
شقق متواضعة، وتشطيبات عادية، وأحياء بلا أي خدمات أو مساحات ولا حتى مواقف أو أرصفة بإيجارات تفوق عقارات في مدن عربية عالمية أكثر دخلا وفرصا بالنظر إلى مستوى الدخل وتكاليف المعيشة.
الأكثر مرارة أن بعض الملاك ظنوا أن عقاراتهم أصول نادرة لا تخضع لأي تقييم منطقي، بينما يتولى بعض السماسرة تضخيم الإيجارات بصورة تدفع السوق كله نحو مستويات يصعب تفسيرها.
ولا تقف الأزمة عند الإيجارات، بل تمتد إلى قائمة طويلة من الشروط التي تبدو أحيانا أقرب إلى الطلبات التعجيزية، مثل: كشف الراتب، مستوى الدخل، عائلة صغيرة من عروسين أو من دون أطفال، أحيانا مع دفعات مقدمة وكمبيالات، وكأن المستأجِر يتقدم لوظيفة حساسة لا لاستئجار منزل يؤوي أسرته.
وفي النهاية، يكتشف أن كل هذه الشروط لا تمنحه أي حماية حقيقية من زيادة الإيجار أو إنهاء العقد متى شاء المالك.
والغريب، أن جزءا كبيرا من الأسعار المتداولة لا يستند إلى قيمة حقيقية للعقار أو إلى العائد الاستثماري الطبيعي، فهناك مبالغة وصلت في بعض الحالات إلى مستويات تجعل القيمة الإيجارية أعلى بأضعاف مما تستحقه العقارات فعلا، فالسوق لم يعد محكوما بالكلفة أو بالعائد المعقول، بل بحالة من المزايدات المتبادلة، حيث يرفع أحدهم السعر فيتبعه الآخرون، حتى أصبحت الأسعار تحدد بما يتمناه المالك، لا بما يستطيع الناس دفعه.
في المقابل، بقيت دخول الطبقة الوسطى تراوح مكانها، أو ارتفعت بمعدلات لا تكاد تذكر مقارنة بالقفزات التي شهدتها الإيجارات.
الموظف الذي كان يستطيع قبل سنوات تخصيص ربع دخله للسكن، بات يجد نفسه مضطرا لإنفاق راتبه أو أكثر، بينما تتآكل قدرته على العيش، وتتراجع جودة حياته تدريجيا، وأصبح امتلاك منزل حلما بعيدا، فيما تحول الاستئجار نفسه إلى عبء ثقيل.
ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على الاقتصاد وحده، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية، مثل العزوف أو تأخر سن الزواج، وتزايد الشعور بعدم الاستقرار، وكلها نتائج مباشرة لسوق فقد الكثير من توازنه، وغاب من يأخذ على يده، فالبيت ليس سلعة كمالية، بل أحد مقومات الأمن الاجتماعي والنفسي، وعندما يصبح الحصول عليه مرهقا إلى هذا الحد، فإن المشكلة تتجاوز العلاقة بين مالك ومستأجر.
ليس المطلوب بالطبع التدخل في حق الملكية أو فرض الأسعار إداريا، لكن ترك السوق بالكامل لاعتبارات المضاربة والعشوائية لا يقل خطورة، فالسوق الصحي لا يقوم على غلبة طرف على آخر، بل على توازن المصالح ووجود معلومات شفافة، ومؤشرات سعرية واضحة، وآليات تضمن حقوق الجميع.
المقلق، أن الحديث عن الإيجارات بات يشبه الحديث عن الطقس، حاضرا في كل مجلس، وكل مناسبة، وكل نقاش عابر، وكأن المجتمع كله بات يبحث عن إجابة لسؤال واحد: متى انفصلت أسعار السكن عن حياة الناس.
والأهم، إلى متى يمكن للطبقة الوسطى أن تواصل التكيف مع واقع يزداد صعوبة، بينما يتصرف سوق الإيجارات وكأنه يعيش في اقتصاد آخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك