في وقت مبكر من الصراع بين الغرب وإيران، تجنبت السعودية الوقوع في الفخ الذي يدفع بها إلى هذا المعترك، على رغم خلافها الممتد مع طهران.
لكن هستيريا إسرائيل نحو استعادة الردع بعد" السابع من أكتوبر (تشرين الأول)"، طورت محاولات الزج السابقة، إلى تهيئة أمر واقع، أغرى واشنطن بمهمة سهلة في إيران، سيكون جر السعودية والخليج إليها مضموناً، وفق التصور في تل أبيب، التي سوقت لـ" حرب مغرية" في نتائجها بأقل الخسائر.
إلا أن الرياض التي تفطنت باكراً لمآلات الحرب، حيرت تجارها، إلى درجة أنهم ظلوا يروجون لتأييد مزعوم منها للعملية العسكرية، قبل أن تنفي هي ذلك الزعم، في مشهد تكرر مرات عدة أثناء حرب الـ40 يوماً.
ويقول الباحث في الدراسات الإيرانية أحمد الميموني" المملكة أعربت عن معارضتها للحرب إدراكاً لعواقبها التي لا تخدم مصالح دول المنطقة، وتدرك كل من الولايات المتحدة الأميركية وإيران صحة الموقف السعودي، لكن كلتا الدولتين لديها تقييمات غير واقعية للتعامل مع أوضاع المنطقة".
إيران اعتقدت أنها تستطيع فرض إرادتها على الإقليم، وهو ما قال الميموني إنها لم تستطع إنجازه، كما أن الولايات المتحدة" رأت في لحظة الضعف الإيراني فرصة لتنفيذ رغبات إسرائيل بالقضاء على إيران، وهو ما أدخلها والمنطقة والعالم معها في دوامة من التحديات الخطرة، لعل أبرزها إعاقة إمدادات الطاقة للعالم، في مشهد غير معلوم المعالم".
عندما استفاقت أميركا على الورطة التي وضعتها إسرائيل في فخها، عادت إلى دول المنطقة التي ظلت ترفض مغامرتها منذ البداية، خصوصاً وأنها التي دفعت فاتورة الحرب، حينما استهدفت جارتها إيران مدنها بالصواريخ والمسيرات، ولم تجد مظلة الحماية المتوقعة من أميركا، المتفوقة عسكرياً كافية.
لم يكن ذلك مفاجئاً بالنسبة إلى الرياض، التي اعتمدت على قدراتها الذاتية وتحالفاتها الإقليمية، فقد أوفدت وزير دفاعها الأمير خالد بن سلمان إلى واشنطن، لمحاولة إقناع البيت الأبيض بأن حشوده في الخليج، لن تجلب للمنطقة إلا مزيداً من التوتر.
وعندما اندلعت المواجهات، حاصر الأميركيون حلفاء إسرائيل الخليج بأسئلة التشكيك: لماذا تضربكم إيران ولا تردون، لماذا لا تحاربون بجوار حلفائكم خصمكم اللدود إيران، ليأتي الجواب غير متوقع" هذه ليست حربنا"،وعلق في حينه الصحافي السعودي رئيس تحرير" اندبندنت عربية" عضوان الأحمري، على تلك المحاولات التي وصفها بـ" الحثيثة لجر دول الخليج العربي إلى صراعات عسكرية مباشرة وحرب إقليمية"، مؤكداً أن السيناريو الأخطر يتمثل في انخراط هذه الدول في الحرب بناء على حسابات معينة، " لتقوم واشنطن لاحقاً بالانسحاب بشكل مفاجئ بعد تحقيق أهدافها العسكرية، تاركة المنطقة تواجه التبعات بمفردها".
أول ما ذكر بذلك مجدداً، مذكرة التفاهم المخيبة لكثيرين، التي وقعها الأميركيون مع طهران، فيما يشبه التنازل للنظام هناك، حتى وإن كانت المفاوضات النهائية، هي التي ستحسم الأمر.
وتقر" نيويورك تايمز" نقلاً عن أحد محلليها بأن" الحقيقة هي أن المنطقة ستكون أكثر اضطراباً وانعداماً للأمن في أعقاب هذا الصراع"، عكس ما كان يسوق الجانب الإسرائيلي، مضيفاً" متى تفاوضنا مع الإيرانيين بشأن نشر قواتنا في المستقبل؟ "، في إشارة إلى أحد بنود المذكرة، الذي تعهدت فيه واشنطن سحب أميركا قواتها في" المنطقة المجاورة" لإيران في غضون 30 يوماً.
بل حتى اليمين الأميركي الداعم لترمب نفسه، لم يستوعب بنود المذكرة المتسامحة مع إيران، مقارنة بوعود الرئيس التي سبقت الحرب، ليفجر زعيم البيت الأبيض الغاضب سخطه في شخص نتنياهو، ليس لأنه ضرب لبنان فقط، ولكن ليقول له بلسان مفهوم" كما دفعت بإشعال الحرب، عليك دفع ثمن إيقافها.
من أنت من دوني".
وهذا ما قاله بصراحة أشد رئيس الاستخبارات السعودي الأسبق الأمير تركي الفيصل، الذي خبر دهاليز الأجهزة ولا يزال مقرباً من مصادر صنع القرار، عندما خلص إلى أن" خطة إسرائيل فشلت في توريطنا".
ويؤكد في مقالة نشرتها الزميلة" الشرق الأوسط" اللندنية أن بلاده اختارت الحكمة والتروي بدلاً من" الجعجعة والعنتريات"، متفادية الانزلاق إلى" فخ إسرائيلي" محكم كان يهدف لإشعال حرب مدمرة بين الرياض وطهران.
ويوضح أن القيادة السعودية آثرت تحمل" جور الجار" حماية لأرواح مواطنيها وممتلكاتهم، مدركة أن الرد بالمثل كان سيعني تدمير المنشآت النفطية ومحطات التحلية على طول شاطئ الخليج، وهو ما كانت تسعى إليه إسرائيل لتبقى" الفاعل الوحيد" في المنطقة.
أما المسؤول الإيراني الأقل دبلوماسية قاليباف، فاختصر رده المشهد المحبط الذي أوقعت فيه الحرب واشنطن وتل أبيب بعد إغلاق مضيق هرمز، قائلاً" كانت هذه قدرة كامنة لم يتم تفعيلها قط.
لكن أعداءنا، خلقهم الله حمقى، حولوا تلك القدرة إلى حقيقة".
بدا أن السعودية تعلمت من تجربة غزو العراق 2003، حين رفضت الخطوة الأميركية وانكفأت عن الحريق الذي أشعله جورج بوش الابن في بغداد.
وهو الموقف الذي قيل إنه مكن الإيرانيين أكثر من التغلغل في البلد العربي الذي تربطه مع السعودية حدود بطول 814 كيلومتراً، ناهيك ببقية الروابط الأسرية والتاريخية المتشابكة.
أما اليوم فإن السعودية، حتى وإن رفضت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، أبقت على نشاط دبلوماسي وسياسي وعسكري محموم، فضلاً عن اللوجيستي الأوسع.
سابقت الوقت مع جاراتها في الخليج، بحثاً عن أي وسيلة لإيقاف الحرب والتقليل من آثارها، وردع المعتدي، ومنح الوساطة الباكستانية زخماً يوفر لها فرص النجاح، على رغم التحديات التي طوقت المفاوضات.
وفي هذا السياق، ولد" التكتل الرباعي" لتنسيق المواقف بينها وبين مصر وباكستان وتركيا، لموازنة التهديد الإيراني من جهة، والتغول الإسرائيلي من جهة أخرى.
عقد التكتل أخيراً اجتماعه الرابع في القاهرة بالتزامن مع مفاوضات سويسرا، بعد آخرين مماثلين في الرياض وإسلام آباد وأنقرة.
في آخر لقاءاته، أكدت الخارجية السعودية، أنه" استعرض مستجدات الأوضاع الإقليمية وجهود خفض التصعيد، لا سيما الوساطة الباكستانية في ضوء مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران"، إلى جانب مناقشة التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد لبنان، مع التأكيد على" ضرورة تكثيف التنسيق لضمان استمرار المسار الدبلوماسي، والحد من تداعيات الأزمة، واستعادة أمن المنطقة واستقرارها".
قد تنظر كل من واشنطن وطهران أول الأمر إلى موقف السعودية هذا بعين المتحفظ، إلا أن تداعيات المذكرة ووقف النار الهش، أعادا إلى الموقف الذي سوقت له الرياض، وجاهته إقليمياً ودولياً فضلاً عن حلفائها الأميركيين وجيرانها الإيرانيين.
ويرى الباحث الميموني، أن النظام الإيراني" قدّر هذا الموقف السعودي المتوازن، وكان استمرار الاتصال بين وزير الخارجية الإيراني مع نظيره السعودي، هو انعكاس لاستشعار إيران جوهر الموقف السعودي، بل حاجة إيران إلى المملكة من أجل الدفع باتجاه وقف الحرب".
وأما بالنسبة للولايات المتحدة فإنها يوماً بعد يوم، وفق المحلل السعودي" تدرك أن ثمة تغييراً في السياسة الخارجية السعودية، وفي طبيعة التحالف بين الجانبين، فالمملكة باتت أكثر استقلالية، كما أنها تمتلك ثقلاً كبيراً ولا يمكن تجاوز موقفها، ومع مرور الوقت نرى أن هذه الصورة تترسخ في واشنطن ويتم قبولها".
ومن جهته ينظر السفير الإيراني لدى السعودية علي رضا عنايتي إلى مرحلة ما بعد الحرب، باعتبارها فرصة لتأسيس منطق مغاير للسابق في التنسيق بين دول المنطقة، على عكس الذي يروج له الجانب الإسرائيلي.
ويؤكد أن" المنطقة إذا أرادت التغلب على المعضلة الأمنية التي تواجهها حالياً، فيجب عليها أن تتجاوز النظام السابق وأن تعطي أولوية أكبر لتجاوز القطبية، والحل السلمي لجميع النزاعات، والاعتراف بالمصير المشترك، والاعتماد على قدراتها الخاصة".
وأقر بأن النظام الأمني الجديد الذي وضعت المذكرة الأميركية معالمه، لن تكون بلاده عائقاً أمامه في سبيل التعاون مع جيرانها، " لا سيما المملكة العربية السعودية، والعمل معاً من أجل تشكيل مستقبل أكثر إشراقاً تنعم فيه دول المنطقة بالنمو الاقتصادي والتجاري، بما يضمن الرفاه والازدهار للأجيال القادمة".
وكان نائب الرئيس الأميركي أجاب عن انتقاد ما بدا تنازلاً لإيران في المذكرة الموقعة، بأن" الناس يقولون إن الإيرانيين لن يغيروا سلوكهم أبداً.
حسناً، ربما يكون هذا صحيحاً، وإذا كان الأمر كذلك، فلن يحصلوا على أي من فوائد الصفقة.
لكن ألا يستحق الأمر المحاولة"؟يذكّر هذا التفاوت، بحالة مماثلة في الحرب الأوكرانية، إذ بينما ضغطت أميركا بايدن لإشراك المملكة في مجهودها الحربي عبر الإخلال بتفاهمات" أوبك+" مع روسيا، رفضت الرياض ذلك بشدة، قبل أن يكتشف البيت الأبيض لاحقاً وجاهة ذلك الموقف، وسعى إلى توظيفه في الوساطة بين الكرملين والبيت الأبيض.
من هنا يعرف سر تمسك الرياض وطهران بـ" اتفاق بكين"، على رغم اللحظات الصعبة التي مر بها أثناء الحرب.
ويوضح المحلل السياسي سليمان العقيلي أن الموقف السعودي الرافض للحرب منذ بدايات التصعيد عندما كانت مغرية عزز صورة الرياض" كقوة وسطى وازنة، ذات إرادة استراتيجية مستقلة بعيدة من التبعية للقرار الخارجي؛ تفضّل الاستقرار على المغامرة، ويمنحها مصداقية أكبر لدى شركائها الإقليميين والدوليين".
ولفت إلى أن ذلك من شأنه أن" يُلزم واشنطن وطهران بالتعامل معها بوصفها طرفاً ذا حسابات خاصة، لا مجرد حليف تابع أو خصم مُهادن".
وهكذا، فإن نتائج الأزمة المحبطة، بدخول المنطقة في معضلة الهشاشة الأمنية إضافة إلى تهديد إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، وإن كانت قاسية، إلا أنها في جانب آخر، عززت مقاربة الرياض ووجاهة تحذيراتها، بما يضيف إلى وزنها الدولي والإقليمي مكانة إلى مكانتها التي لطالما امتحنت الظروف صلابتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك