فرانس 24 - مونديال 2026: تعليق مباراة فرنسا والعراق بسبب خطر حدوث عاصفة رعدية الجزيرة نت - مباشر مباراة الجزائر ضد الأردن في كأس العالم 2026 العربي الجديد - بحيرة طنقة... تنوع حيوي نادر في "أمازون الجزائر" العربي الجديد - لبنان | جولة مفاوضات جديدة بين لبنان وإسرائيل على وقع ضغوط للتهدئة CNN بالعربية - لهذا السبب.. إيقاف مباراة في كأس العالم 2026 لأول مرة العربي الجديد - الزلزولي يربك حسابات بيتيس.. مطلوب في "البريمييرليغ" رغم الإصابة العربية نت - ألفاريز يخرج عن صمته العربي الجديد - تصريحات عنصرية تثير الجدل في المونديال بعد لقاء إيران وبلجيكا روسيا اليوم - جورج غالاوي: زيلينسكي يندب رحيل ستارمر والشعب البريطاني يهتف التلفزيون العربي - قبل ساعات من امتحان الثانوية العامة.. الاحتلال يعتقل طالبًا في الخليل
عامة

من الضفة الثابتة إلى النهر الجاري.. ما بين الحداثة وما بعدها

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ 1 ساعة
1

العصر الذي نعيش فيه عصرٌ متبدّل كماء النّهر، الثّبات أمرٌ مستغربٌ ونادر، نمرّ بكلّ التّفاصيل مسرعين ولا نعود لنلمحها مرةً أخرى أبدًا. هذا النّمط من الحياة فرضه العصر على حياتنا بكافة جوانبها الشّخصيّة...

العصر الذي نعيش فيه عصرٌ متبدّل كماء النّهر، الثّبات أمرٌ مستغربٌ ونادر، نمرّ بكلّ التّفاصيل مسرعين ولا نعود لنلمحها مرةً أخرى أبدًا.

هذا النّمط من الحياة فرضه العصر على حياتنا بكافة جوانبها الشّخصيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة وبطبيعة الحال ألقى بظلاله على الحياة الثقافيّة، فالأدب والفن صارا مادتين استهلاكيتين في أغلب الأحيان، يتمّ تلقيهما بطريقةٍ استهلاكية مؤقّتة كذلك، عن طريق منصات التّواصل الاجتماعي بعد أنّ صارت منابرَ وصالاتٍ للعرض، الجماهير تتكدّس خلف الشّاشات بدل القاعات والمسارح، تصفّق باللّايك، وتصفّر بالقلب وتشجب بأغضبني وتختزل كلّ ما يعتريها من مشاعر نفسيّة بعدد من الرموز التّعبيريّة المسطّحة.

لم يكن الانتقال لهذا العصر -عصر ما بعد الحداثة- من عصر الحداثة الذي جاء بوعود ورديّة ويقينٍ راسخ بأنّ العلم والعقلانية والتّقدم التّكنولوجي سيقودون البشرية نحو اليوتوبيا والحرية المطلقة، انتقالًا مفاجئًا إذ تمّ التّمهيد من بعد الحرب العالمية الثانيّة التي حطّمت بالتعاون مع كوارث القرن العشرين قواعد أفكار الحداثة وكفرت بها، وقد أعلن الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار أن أبرز ملمح لما بعد الحداثة هو حالة عدم التصديق تجاه السّرديات الكبرى أي الأيديولوجيات التي ادّعت امتلاك الحقيقة المطلقة كالرّأسمالية والشّيوعية والماركسية والقوميات الشوفينية، التي تساقطت وكأحجار الدمينو جعلت ركائز الحداثة ويقينياتها تتساقط تباعًا.

ومن المصطلحات الدّقيقة التي ظهرت لتصف مرحلة ما بعد الحداثة هو مصطلح الحداثة السّائلة الذي أطلقه عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان، حيث كانت الحداثة تسعى لهدم البنى القديمة التقليديّة وإحلال بنى جديدة بدلًا منها، لكنّ الحداثة السّائلة أذابت البُنى ليعاد تشكيلها بشكل مستمر مرارًا وتكرارًا، كل شيء الآن بات مؤقتًا عابرًا، وقابلًا للاستبدال.

حتى المفاهيم المجمع عليها ك(التّاريخ) تمّ خلخة الحالة اليقينيّة اتجاهها، حيث أطلق المفكر والفيلسوف الأمريكي من أصل ياباني فوكوياما في عام1989 مصطلح" نهاية التاريخ" بالتزامن مع سقوط جدار برلين، ثم توسّع فيه ليصبح كتابه الشّهير" نهاية التاريخ والإنسان الأخير" عام 1992، ولم يعنِ فوكوياما بنهاية التّاريخ توقّف الأحداث أو جفاف الزّمن، بل قصد موت الصراع الأيديولوجي الكبير.

لم يعد المؤلف هو الحارس الأبديّ لمعنى نصه يملي على القرّاء التّفسير الصّحيح بناءً على سيرته الذّاتية أو نواياه الحسنة، فقد انتقلت السّلطة بالكامل للقارئ، وأصبح النّص فضاءً مفتوحًا لتعدد الدّلالاتوفي ستينيات القرن الماضي برز مصطلح موت المؤلف للنّاقد الفرنسي رولان بارت في مقال فكريّ ونقديّ، وهنا لم يعد المؤلف هو الحارس الأبديّ لمعنى نصه يملي على القرّاء التّفسير الصّحيح بناءً على سيرته الذّاتية أو نواياه الحسنة، فقد انتقلت السّلطة بالكامل للقارئ، وأصبح النّص فضاءً مفتوحًا لتعدد الدّلالات وصارت السّيولة التفسيريّة واضحة وممنهجة.

وأوضح مثال للسيولة هو ضمن منصات التّواصل الاجتماعي، فالقصة" ستوري" تختفي بعد 24 ساعة، والأفكار تُختزل في تغريدات قصيرة سرعان ما تغيب في زحمة التايم لاين، والعمق الثّقافي للمقالات الطويلة يذوب لصالح مقاطع الفيديو القصيرة التي تخاطب إنسانًا بات سائلًا هو الآخر ومخاوفه كذلك لم تعد واضحة، فهو يخاف من الغد من المجهول بعد أن كان له عدو واضح.

وتحوّل الإنسان من منتجٍ في الحداثة -الصّلبة- إلى مستهلك في الحداثة السّائلة، ضمن مجتمع استهلاكيّ ببضائع سريعة العطب، وظهر الفرد المعزول بعد ذوبان العائلة والقبيلة وتقاليدهما.

وقد انعكست هذه التّحولات على القوالب الأدبيّة الكلاسيكيّة التي لم تعد قادرة على استيعاب صخب الحياة والنزاعات الكبرى والتغيرات النّفسية، فتمّ التّخلي عن عمود الشّعر التّقليدي المناسب للمشافهة واستقطاب الحشود لصالح" شعر التفعيلة" ثم" قصيدة النثر"، فالشّعر أراد أن يتحرّر من السّلطة الإيقاعية القديمة، وفي السّرد كذلك تبدّلت الحبكة التقليدية الثّابتة (بداية، عقدة، حل) التي تعكس عالماً منظماً وظهرت روايات تفكّك الزّمن وتغوص في الوعي واللاشعور، وقد تراجع الإقبال على الرّوايات الطّويلة ذات النفس السّردي الممتد، وصعدت في المقابل الأشكال الأدبية المكثفة والسّريعة مثل: القصة القصيرة جدًا، الرّوايات الوجيزة" Novella"، والشّعر الشّذري، وظهر الأدب التفاعلي كالرّوايات الرّقمية التي يتدخل القارئ في اختيار نهاياتها، والمتلقي للفن كذلك صار يفضّل المعارض الانغماسية Immersive Art كأنّ يسير داخل الإسقاط الضّوئي للوحة ويدخل خلفيات موسيقيّة على العمل الفني أو يجري تعديلات على الأيقونات الفنيّة الكلاسيكيّة ليعيد تصديرها للعالم وفق ذوقه الشخصيّ.

بعد أن كان الفن التشكيلي يحاكي الملوك والجميلات والطبيعة السّاحرة في عصره الكلاسيكي أُجبر على تغيير مساره وانعطف نحو الدّاخل النفسي والانطباعات المتغيّرة مدفوعًا بظهور الكاميرا الفوتوغرافية التي سحبت من الرسام دوره التّوثيقي، فكانت الانطباعية ومن ثمّ ظهرت التّعبيريّة التي صارت تغيّر البنى الشكليّة لتبرز الشّعور الدّاخلي الذي تشظّى لاحقًا بلوحات تكعيبيّة، وصولًا للتجريد الذي صيّر أي شكلٍ أو لونٍ ليكون جسدًا أو شجرة أو أيّ شيءٍ يدركه خيال المتلقي.

أما قمة السيولة في عالم الفن فهو الفن الرّقمي الذي يعدّ العمل الفنّي بتعليمة ويغيّره بأخرى.

وإنّ هذه السّيولة لم تقف عند حدود إنتاج الأثر الفني أو الأدبي لكنّها طالت عملية التّلقي، فالمتلقي المعاصر لم يعد ذلك القارئ الهادئ الذي يجلس تحت ضوء مصباحٍ خافتٍ ليقضي أسابيع مع رواية أو ليس ذلك المتأمل الذي يقف بسكون أمام لوحة زيتية في متحف، ففي فضاء الحداثة السّائلة، تحوّل التّلقي من طقسٍ تأمليّ إلى ممارسة استهلاكية خاطفة وسريعة وأبرز سمات التّلقي السّائل هي تفتت التّركيز، فالخوارزميات الرّقمية والتّدفق اللانهائي للمنشورات والتّغريدات والمقاطع القصيرة" Shorts/TikTok" أعادت هندسة الدماغ البشري ليطلب دفقات سريعة ومستمرة من الدّوبامين.

وضمن هذا المشهد الثّقافي السّائل تهاوت سلطة النّاقد الأكاديمي الصّارم وحلّت محلها سلطة التريند، ولم يعد العمل الأدبي الأكثر مبيعًا وانتشارًا هو الأعمق فنيًّا بل الأكثر قدرةً على فهم ومحاكاة خوارزميات المنصات الرّقميّة وإثارة العواطف السّريعة والمؤقتة للمتلقين حتّى غاب المركز النّقدي الصّلب وتعددت المرجعيات السّائلة وردود الأفعال المتغيّرة المحكومة بمنظومات متغيّرة بدورها.

إنّ مسار" ما بعد الحداثة" حتّى وصوله لسيولة الفضاءات الافتراضيّة كان رحلة تخلٍّ شجاعة وقاسية في آن واحد، فقد خلع الإنسان المعاصر ثيابه الكلاسيكيّة المطرّزة باليقين والتي تمنحه الأمان ليقف عارياً أمام القلق الوجودي في عصرٍ يرفض الاستقرار، لكنّه رغم ذلك احتفظ بذكريات ماضية وتمسّك بتفاصيل وعادات صلبة عصيّة على المحو، واستخدمها كمرساة تمنعه من الانجراف في نهر السّيولة والذوبان فيه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك