ترجمة: علاء الدين أبو زينةحسين بناي* - (فورين أفيرز) 19/6/2026تُعتبر حالة الجمود أقل النتائج الدبلوماسية استحقاقًا للتقدير على الإطلاق.
إنه موقف لا يحلّ شيئًا، ولا يُرضي أحدًا، ولا يعتبره انتصارًا سوى الطرف الأضعف الذي يشكل مجرد البقاء بالنسبة له إنجازًا كافيًا.
لكنّ هذا بالضبط هو الموقف الذي استقرّت عليه الحرب بين إيران والولايات المتحدة.
وهو، بعد 107 أيام من الأعمال القتالية، الوضع الذي أضفى عليه الطرفان طابعًا رسميًا في نهاية المطاف.
في 17 حزيران (يونيو)، وقّعت طهران وواشنطن اتفاقًا يعيد فتح مضيق هرمز وينهي الحصار البحري الأميركي، من دون أن يعالج أيًا من الخلافات الأساسية بين البلدين.
ويمنح الاتفاق طهران متنفسًا حقيقيًا: سوف تتراجع واشنطن فورًا عن العقوبات المفروضة على النفط الإيراني، وتبدأ بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة، وتلتزم بحزمة إعادة إعمار لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار.
لكن كل الأسئلة الشائكة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ، وشبكة الوكلاء، جرى تأجيلها إلى وقت غير محدد في المستقبل.
اضافة اعلانعندما يتعلق الأمر بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن هذه ليست نتيجة جيدة.
عندما أطلق الحرب على إيران في أواخر شباط (فبراير)، وعد الأميركيين بأنه سينهي البرنامج النووي الإيراني، ويفكك قدرات البلاد الصاروخية، وربما يقضي على الجمهورية الإسلامية نفسها.
لكنه فشل في كل ذلك.
بل إن الحرب أظهرت أن طهران أكثر قدرة على الصمود مما توقعه كثير من المحللين.
فقد تحمّل النظام أشهرًا من الألم، بما في ذلك اغتيال شبه كامل لقيادته العليا، ثم خرج من ذلك سليمًا.
وبإغلاقها مضيق هرمز ورفعها أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية، أثبتت طهران أيضًا أنها تمتلك أداة يمكنها استخدامها لإكراه حكومات أخرى، بما فيها واشنطن.
وكان ارتفاع أسعار الوقود في نهاية المطاف أحد العوامل التي دفعت ترامب إلى إنهاء الصراع.
مع ذلك، لا ينبغي اعتبار هذه النتيجة هزيمة للولايات المتحدة.
فقد حققت واشنطن بعض النجاحات التكتيكية خلال الحرب، وقدّمت تنازلات محدودة نسبيًا.
وبصورة عامة، يمكن اعتبار الاتفاق إلى حد كبير عودة إلى الوضع القائم قبل الحرب.
نعم، ما يزال على المسؤولين الأميركيين التعامل مع طموحات إيران النووية، وصواريخها، ووكلائها.
لكن الولايات المتحدة كانت قادرة على إدارة هذه الملفات طوال الأعوام العشرين الماضية من دون اللجوء إلى الصراع، ويمكنها أن تفعل ذلك مرة أخرى.
مبالغة في الوعود، ضعف في التنفيذمنذ اللحظة التي بدأت فيها قصف إيران، وضعت الولايات المتحدة نفسها في موقف صعب من خلال تعريف النصر بشروط قصوى.
في إعلان الحرب، صرّح ترامب بأن واشنطن لن تكتفي بالقضاء على البرنامج النووي الإيراني، بل ستقوم أيضًا" بتدمير صواريخهم وتسوية صناعتهم الصاروخية بالأرض".
وقال إن القوات الأميركية ستقوم" بإبادة" البحرية الإيرانية و" ضمان ألا تعود أذرع النظام الإرهابية إلى زعزعة استقرار المنطقة أو العالم".
كما دعا الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع للإطاحة بحكومتهم.
وبعبارة أخرى، رسم الرئيس أهدافًا طموحة للغاية وغير واقعية.
ليس من المستغرب إذن أن يكون ترامب قد فشل.
صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا سريعًا في القضاء على معظم كبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي.
لكن طهران سارعت إلى استبدالهم وواصلت القتال.
وقد ادّعت واشنطن أنها دمّرت إلى حد كبير القدرات الصناعية العسكرية الإيرانية، لكن طهران كثّفت هجماتها الصاروخية ضد القواعد الأميركية في المنطقة، وضد البنية التحتية للنفط والغاز في الدول العربية المجاورة، وكذلك ضد أهداف عسكرية ومدنية داخل إسرائيل.
والأهم من ذلك أن المسؤولين الإيرانيين أدركوا أنهم قادرون على إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى خلق نقص عالمي في الطاقة وممارسة ضغط على المسؤولين الأميركيين.
في نهاية المطاف، رضخ ترامب للواقع ووقّع وقف إطلاق نار مع إيران.
وكان الأثر المباشر لذلك هو أن الأعمال القتالية كانت تتراجع أكثر مما توقفت، حيث ركّزت إسرائيل هجماتها على مواقع" حزب الله" في مختلف أنحاء لبنان، في تحدٍّ لإصرار طهران على أن وقف إطلاق النار يشمل الإسرائيليين أيضًا.
كما واصل الجيش الأميركي وحرس الثورة الإسلامية الإيراني تنفيذ هجمات متقطعة على مواقع بعضهما البعض حول مضيق هرمز.
وعلى امتداد تلك الفترة، رفضت واشنطن التراجع عن مطالبها القصوى في مفاوضات السلام.
وسرعان ما لجأت الولايات المتحدة إلى فرض حصار على إيران على أمل إجبارها على الرضوخ، لكن هذا الضغط فشل مرة أخرى.
وبحلول بداية حزيران (يونيو)، خلصت أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى أن النظام قادر على الصمود إلى أجل غير مسمى.
وبذلك لم تجد إدارة ترامب خيارًا سوى القبول باتفاق ينهي جميع الأعمال القتالية من أجل إعادة فتح مضيق هرمز.
حاول الرئيس تسويق وقف إطلاق النار الجديد بوصفه انتصارًا، مجادلًا بأن عزل إيران المستمر وتزايد قابليتها للاستهداف بالضربات الأميركية (وقد نجحت الولايات المتحدة بالفعل في إضعاف الدفاعات الإيرانية بشكل كبير) سيجبران البلد في نهاية المطاف على الاستسلام.
لكن طهران تمتلك بدورها حجة قوية بأنها انتصرت، وروايتها للنصر أبسط وأكثر توافقًا مع الوقائع على الأرض.
كما يشير القادة الإيرانيون -مُحقين- نجا النظام من قصف استمر لأسابيع شنّه خصمان أقوى منه.
كما احتفظ بمئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب، وما يزال يحتفظ بقدرة على تخصيب المزيد.
والأهم من ذلك أنه أثبت قدرته على السيطرة على أهم ممر بحري للنفط في العالم.
لا يعني ذلك أن إيران تحولت فجأة إلى قوة عظمى، أو أن الجمهورية الإسلامية تجاوزت أزماتها العديدة المتعلقة بالشرعية.
في الحقيقة كان اقتصادها وبنيتها التحتية تحت ضغط شديد حتى قبل الحرب، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات وطنية واسعة في كانون الثاني (يناير)، والتي لم يتمكن النظام من احتوائها إلا بالقمع العنيف.
والآن أصبح الوضع المادي للبلد أسوأ بكثير نتيجة القصف الأميركي والإسرائيلي.
ومع ذلك، تحسّن موقع النظام الجيوسياسي على الرغم من تدهور وضعه الداخلي.
من خلال إحكام السيطرة على مضيق هرمز، اكتسبت طهران ورقة تفاوضية لم تكن تمتلكها سابقًا، وهو ما منحها نفوذًا أكبر في المفاوضات حول القضايا النووية، وفي سعيها إلى ضمان ألا تعاود واشنطن مهاجمتها مرة أخرى.
تتقِن الجمهورية الإسلامية فنّ إدارة الجمود.
وقد عرّفت نفسها، على مدى ما يقرب من 50 عامًا، جزئيًا من خلال الانخراط في منافسة لا تنتهي مع واشنطن.
وبذلك تعلّمت تحمّل قدر كبير من الضغط الأميركي.
بل إن النظام سعى فعليًا إلى إبقاء العلاقات مع الولايات المتحدة في حالة توازن غير مريحة بحيث لا يحدث تقدم كبير (ما يكون شأنه أن يضعف التزامه الثوري بمعاداة واشنطن) ولا توتر مفرط (قد يفضي إلى التعرض لغزو شامل).
وفي المقابل، لم تشعر الولايات المتحدة في أي يوم بالارتياح مع هذه الحالة.
وقد طالب المسؤولون الأميركيون منذ فترة طويلة إيران بأن تتراجع إيران عن برنامجها النووي، وتفكك ترسانتها الصاروخية، وتُنهي شبكة وكلائها -وهو ما لا يمكن تحقيقه ما دام الطرفان يراوحان في حالة جمود.
يجعل هذا الاختلال من الصعب على واشنطن تقبّل حالة الجمود أكثر مما هو الحال بالنسبة لطهران.
لا تستطيع الولايات المتحدة ببساطة تحمّل هيمنة إيرانية إقليمية، سواء تحققت عن طريق الشبكات الشيعية في العراق ولبنان وسورية واليمن، أو من خلال امتلاك قوة ردع نووية.
ولكن، كما أصبح واضحًا خلال الأشهر الماضية، ليست الحرب هي الطريقة المناسبة لمنع ذلك.
وتتطلب معالجة هذه المخاوف أدوات مختلفة وأكثر دقة واستهدافًا.
فلننظر إلى صواريخ إيران ووكلائها المسلحين.
من حسن الطالع لواشنطن أن هذه القضايا تثير معارضة إقليمية شديدة، وأن التهديدات التي تشكلها يمكن أن تعمل على احتوائها الدول الأكثر عرضة لها -أي إسرائيل ودول الخليج العربية.
تستطيع إسرائيل الحفاظ على امتلاك قدرة ردع موثوقة، في حين يمكن لدول الخليج تعزيز دفاعاتها الجوية على المدى القريب، والسعي على المدى الأطول إلى تسوية استراتيجية مع طهران تقوم على إقامة روابط اقتصادية وثقافية.
ومن جهتها، تستطيع الولايات المتحدة تعزيز مساعداتها الأمنية لهذه الدول ضمن استراتيجية احتواء.
وسيكون من شأن ذلك أن يسمح لواشنطن بإدارة حالة الجمود بطريقة لا تستنزف مواردها ولا تُعرّض مصالحها في المنطقة للخطر.
لا تستطيع الولايات المتحدة الاعتماد على شركائها في إدارة البرنامج النووي الإيراني.
لكنها تمتلك أدوات أخرى للتعامل مع هذا التهديد.
قد لا توافق طهران أبدًا على التخلي عن تخصيب اليورانيوم بالكامل، لكن للحكومة الإيرانية مصلحة في التوصل إلى اتفاق يفرض قيودًا حقيقية على برنامجها مقابل رفع العقوبات التي تحتاج إليه بشدة.
وقد يواجه مثل هذا الاتفاق مقاومة من المتشددين الإيرانيين الذين يرفضون أي تسوية مع واشنطن.
ولكن ما دام الاتفاق يؤكد الحق السيادي للنظام في التخصيب، فإنه يمكن للعناصر البراغماتية في إيران تقديمه بوصفه تنازلًا كبيرًا انتُزع من إدارة أميركية متشددة اضطرت للتخلي عن مطلبها الأقصى المتمثل في إنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل.
يغلب أن يساند شركاء واشنطن من الدول العربية الخليجية مثل هذا الاتفاق.
لدى هذه الدول، التي تعرّضت الآن لهجمات إيرانية مباشرة ومتكررة ردًا على استضافتها قواعد أميركية، والتي عانت أيضًا من التداعيات الاقتصادية لإغلاق المضيق، كل الأسباب لتفضيل إيران مُقيَّدة ومحصورة على إيران منخرطة في الحرب.
وفي الواقع، دفعت معظم دول الخليج العربية فعليًا باتجاه خفض التصعيد والتوصل إلى تسويات.
لكن إسرائيل لن تكون داعمة.
وترى هذه الدولة في إيران تهديدًا وجوديًا يجب إخضاعه وتحييده بالقوة، ولذلك عملت على تعطيل نجاح محادثات السلام.
وعلى سبيل المثال، شنّ الجيش الإسرائيلي هجومًا على منطقة بيروت في 14 حزيران (يونيو)، بالتزامن مع قيام طهران وواشنطن بوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقهما.
وردّت إيران بالاستعداد للرد، إلى أن وعدها دبلوماسيون أميركيون بإجبار الإسرائيليين على وقف هجماتهم ضد" حزب الله" -ما سمح بإتمام الاتفاق.
لكن على واشنطن أن تتوقع تكرار هذا النمط في المستقبل، بما في ذلك احتمال أن تحاول إسرائيل إعادة إشعال الحرب عن طريق ضرب المنشآت النووية الإيرانية مباشرة.
ولمنع تحقق مثل هذا السيناريو، سيتعين على الولايات المتحدة استخدام ما تملكه من نفوذ على حليفتها -مثل ربط مبيعات السلاح بشروط، وسحب الدعم الاستخباراتي، والتوقف عن توفير الحماية الدبلوماسية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تقدم ضمانات أمنية لإسرائيل حتى لا تشعر بأنها مضطرة لمهاجمة إيران.
لن يكون فعل كل ذلك سهلاً -وليس لأن واشنطن ترغب في مواصلة تقديم دعم واسع لشريكها الإسرائيلي فحسب.
ثمة أيضًا العديد من النخب في السياسة الخارجية الأميركية الذين يرفضون الاعتراف ببساطة بأن الولايات المتحدة غير قادرة على هزيمة إيران، ولذلك ما يزالون يتعاملون مع المأزق الحالي بوصفه استراحة مؤقتة قبل استئناف الحرب وتحقيق نصر نهائي حاسم.
لكنّ الواقع هو أن إيران أثبتت قدرتها على تحمّل ضغط شديد وإلحاق كلفة كبيرة بالولايات المتحدة، حتى بينما يتم إضعاف قدراتها الهجومية بشكل كبير.
وحتى لو تمكنت واشنطن من حشد الإرادة اللازمة لتنفيذ غزو بري طويل الأمد، فإن هذه الإدارة تحديدًا لا تملك الرؤية والانضباط اللذين تتطلبهما مثل هذه العملية.
وكل ما سيؤدي إليه تجدد الصراع سيكون استنزاف مخزونات واشنطن من الذخائر وأنظمة الاعتراض، وإطلاق موجة تضخم عالمية، واختبار صبر شركاء الولايات المتحدة.
لذلك، آن الأوان لأن تعترف الولايات المتحدة بالحقيقة: إنها عالقة في حالة جمود.
عليها أن تتوقف عن التفكير في كيفية هزيمة إيران بشكل حاسم، وأن تبدأ في البحث عن طريقة لإدارة علاقة صعبة وصدامية بوسائل سلمية.
ولا شك أن مثل هذا العمل ليس جذابًا -ونادرًا ما تكون حالات التعادل كذلك.
لكن هذا هو السبيل الوحيد الذي يمكّن واشنطن من احتواء طهران فعليًا والحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط.
*حسين بناي Hussein Banai: أستاذ مشارك في الدراسات الدولية في كلية" هاملتون لوغر" للدراسات العالمية والدولية في جامعة إنديانا بلومنغتون، وهو أحد مؤلفي كتاب" جمهوريات الأسطورة: السرديات القومية والصراع الأميركي-الإيراني" Republics of Myth: National Narratives and the U.
S.
-Iran Conflict.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: When a Cease-Fire Is Really a Stalemate: Equilibrium With Iran Is the Best America Can Do.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك