من أسوأ المظاهر التي أنتجتها الأنظمة العربية أنها أعادت إنتاج «الوطنية» وأعادت تعريفها في أذهان الناس، وقامت بتحريف «حب الوطن» والولاء للوطن، وتحريف كيفية التعبير عن هذا الحب والتعبير عن هذا الانتماء.
أخطر ما فعلته هذه الأنظمة هي أنها نجحت الى حد كبير في الخلط بين «النظام السياسي» و»الوطن»؛ فأصبح التعبير عن الوطنية وحب الوطن في عالمنا العربي يتم بالتطبيل للنظام السياسي، والنفاق للحاكم، وعبر التزلف للمسؤول وصاحب الكرسي، ويحدث كل هذا النفاق والتزلف والتطبيل، من دون محاكمة أفعال هؤلاء، إذ إن بعضهم باع البلد ن آخرين نهبوها وسلبوا أموال الناس ليغذوا بها ودائعهم في الحسابات المصرفية السرية في سويسرا وغيرها.
ثمة مفهوم مزيف ومشوه للوطنية وحب الوطن في عالمنا العربي، فقد أصبحت مجرد شكليات فارغة من المضمونثمة مفهوم مزيف ومشوه للوطنية وحب الوطن في عالمنا العربي، فقد أصبحت مجرد شكليات فارغة من المضمون، إذ من يحب البلد هو الذي يرفع علمه فوق منزله وعلى سيارته ويضع العلم على صدره أينما ذهب، وحيثما تحرك، كما إن حُب الوطن يعني حب الحاكم الذي يتم التعامل معه على أنه إله يُعبد وأنه منزه عن كل خطأ، وعن كل سوء، بينما هو -أي الحاكم- يرتكب كل الموبقات الوطنية التي يُمكن أن تخطر على بال بشر، ابتداءً من بيع مقدرات الدولة ورهن ثرواتها وليس انتهاءً عند سرقة ما يستطيع أن يسرق من أموال الناس، والضرائب التي تتم جبايتها منهم ومن أفواه أطفالهم!في حالة الوطنية المزيفة التي نعيشها يتغيب الموظف الحكومي عن وظيفته من أجل المشاركة في احتفال بعيد ميلاد الحاكم، ويقوم المسؤول السياسي بقضاء ساعات وساعات وهو يُلوح برداء لمنتخب بلاده لكرة القدم، وتُنفق الدوائر الحكومية مبالغ طائلة من أجل تنظيم احتفالات، وشراء براويز عليها صور للتعبير عما يعتقدون إنه «حب الوطن» وهو في الحقيقة عملية نفاق معقدة تحدث من أجل الحصول على المكاسب المادية والشخصية! في «الوطنية المزيفة» يغيب الموظف عن عمله، ويُقصر في أداء واجباته، ولا يُنجز ما يطلبه منه الوطن الحقيقي، وذلك من أجل المشاركة في احتفال، أو من أجل تشجيع منتخب بلاده في مباراة كرة قدم.
والحقيقة أن الوطن بأكمله لم يستفد من الذي اشترى علماً ولوح به طوال المباراة، كما إن الوطن لم يستفد شيئاً من ذلك الذي تغيب عن دوامه في دائرة حكومية، وعطّل معاملات الناس ومصالحها من أجل الاحتفال بمناسبة وطنية.
بل إن الوطني الحقيقي هو الذي سعى في حاجات أبناء بلده، وقدّم لهم ما يحتاجونه من خدمات، وتقاضى راتبه من الضرائب بعد أن أدى ما عليه من واجبات.
في «الوطنية المزيفة» يُمكن أن تكون لصاً ومحتالاً وفاسداً لكنك تقوم باقتطاع حفنة أموال من أجل تفصيل علم عملاق، أو صورة ضخمة للحاكم، وتقوم بهذه الأموال المسروقة بالتعبير عن حبك للوطن، والحقيقة أنك ألد أعداء الوطن، وإنما أنت تحب النظام السياسي الفاسد، الذي وفر لك البيئة الملائمة للسرقة والسطو على أموال الناس! في «الوطنية المزيفة» يتقاطر آلاف «الوطنيين» على مباراة لكرة القدم، فيشجعون منتخب بلادهم، ويلوحون بأعلامهم، وبعد انتهاء المباراة تجد النفايات تملأ المكان لتترك أمام من يُشاهدها سؤالاً بالغ الأهمية: هل المحب الحقيقي لوطنه هو الذي لوح بالأعلام وصرخ بالشعارات على المدرجات؟ أم الذي يقوم كل صباح بتنظيف شوارع بلده والحفاظ على سلامتها من كل مكروه؟كيف حولت الأنظمة السياسية الفاسدة عقول الناس؟ وكيف أعادت إنتاجها؟ وكيف نجحت في جعل التعبير عن حب الوطن لا يتم إلا عبر النفاق للمسؤول السياسي أو عبر شكليات لا تُسمن ولا تُغني من جوع ولا تفيد البلد في شيء؟
كيف حدث ذلك؟ !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك