في حوار أجري مؤخرا مع الكاتبة البولندية المعروفة أولجا توكارتشوك، الحاصلة على جائزة مان بوكر من قبل، وأيضا جائزة نوبل في الأدب، ذكرت أنها تستعين بالذكاء الاصطناعي في كتابتها الأخيرة، وأنه مفيد فعلا، ما أثار كثيرا من اللغط وسط جمهور القراء والمثقفين، لدرجة أن البعض طالبوا بسحب جائزة نوبل منها، بدعوى أن كتابتها غير أصيلة، ولا تستحق هذه الجائزة.
الذي فهمته من حديث أولجا، ليس كتابة رواية تعتمد على الذكاء الاصطناعي تماما، ومعروف أنها كتبت لعقود ومن قبل أن يخترع هذا الذكاء، ويعم صيته العالم، ويستخدم في ضروب كثيرة أدبية وعلمية، واجتماعية، وإنما استخدام الذكاء في البحث أثناء التخطيط لمشروع ما، يحتاج إلى بحث، وهذه مهمة مشروعة كانت تقوم بها المجلدات داخل المكتبات العامة، في كل الدول تقريبا، قبل أن تخترع الإنترنت، ويظهر الباحث العظيم غوغل، وكنا في بدايات الكتابة، نذهب إلى المكتبات، نبحث عن مراجع معينة في التاريخ والجغرافيا والعلوم الاجتماعية، حتى نلم بأجواء رواياتنا، ثم بعد أن ظهر غوغل وتطور كأداة ملهمة للبحث، كنت شخصيا أقضي وقتا طويلا أبحث عن مواضيع معينة، ليس لديّ إلمام كبير بها، وأرغب في توظيفها في روايتي.
وذكرت مرة أنني ظللت لأيام أبحث في سيرة محمد آدم، الرجل الذي سمي سفاح اليمن، وكان يعمل في مشرحة كلية الطب، وتكون لديّ ملف كبير عن سيرته وعما يمكن أن يكتب عنه، لكنني لسبب أجهله، لم أستطع كتابة رواية عنه، ربما أن ما أنجزته من بحث، لم يكن ملهما لي، أو نوع سيرته لم تلائم كتابتي، لا أدري بالتحديد.
المهم في الأمر أنني لم أكتب حرفا في الرواية، التي أردت كتابتها عنه، وكتبت روايات عديدة بعد ذلك جاءت كأفكار خاطفة، لكن أيضا دعمتها بالبحث عن الوقائع التي أريدها.
وحين كتبت رواية «مهر الصياح»، لجأت للإنترنت بحثا عن الوقائع التاريخية التي ذكرت في كتاب الرحالة العربي، الذي استوحيت الرواية منه، ولا أنكر أنني استفدت كثيرا.
والآن بعد ظهور الذكاء الاصطناعي، وتربعه على عرش المساعدة في كل أمر، لن يكون غريبا أن يلجأ إليه كاتب أو مبدع عموما للاستفادة من مزاياه، ولن تكون أولجا وحدها من استخدمه، ولا أظن أن استخدامه عيب يستحق كل هذه الضجة التي أثيرت عن كلام أولجا، الكاتبة التي كتبت كتابها العظيم «رحالة»، المحتوي على كل ضروب الإبداع النثري، من رواية وقصة، وخواطر، ومقالات، وشخصيا ألجأ إليه الآن في كثير من المواضيع العلمية، وأيضا كبديل عن غوغل في البحث عن جذور شخصيات أكتبها أو أود كتابتها، مثل الداعية السوداني: ساتي ماجد الذي ذهب إلى أمريكا في بداية القرن العشرين، ونشر الدعوة الإسلامية هناك، وأصبح رمزا له أحباب ومريدون، لكن لا يوجد الكثير حوله، وربما يوجد في كتب لكن لم تقع في يدي، بينما الذكاء الاصطناعي، يزود الباحث بأشياء كثيرة عنه.
النقطة الثانية في حوار أولجا، وربما هي النقطة التي أثارت اللغط أكثر، وهو ذكرها، أنها تعطي الذكاء الاصطناعي أفكارا معينة، وتطلب منه أن يقوم بتطويرها، وتأخذ باقتراحاته وتستخدمها.
أنا لا أعتقد أن هذه أيضا مشكلة، لأن الذكاء يقوم هنا بدور المحرر الأدبي، تلك الوظيفة المهمة في الغرب، حيث يوجد لكل كاتب صغير أو كبير، محرر أدبي، يمكن أن يطور أفكاره، ولكن نجدها شبه معدومة، أو تظهر على استحياء في دور النشر العربية، ذلك ببساطة أن الكاتب العربي.
حتى لو كان في بداية حياته، يعتبر نفسه فوق التحرير، ولن يسمح لمحرر أن يضيف إلى كتابته أو يحذف منها حرفا.
والدور التي تعاملت معها مؤخرا، فيها محررون، شخصيا استفدت من تعاونهم، ولم أحس أنهم يجرحون كتابتي، أو يسببون لها ألما، على العكس كانت كثير من الاقتراحات، خاصة من المحررة رنا الحايك، مهمة ومفيدة، وفيها تطوير للكتابة، أو تقريب وجهة نظر الكاتب مع القراء.
وقد جربت أن ألجأ للذكاء الاصطناعي في هذا الموضوع، أو تطوير الأفكار، كتبت له شخصية ديكتاتور، وطلبت منه أن يزودني بأفعال قد تصدر من ديكتاتور، وكانت النتيجة، غير مبهرة، لكنها جيدة، وأيضا أقول، لم أحس أن ذلك تدخل في كتابتي، أو حتى دوران حولها، هو قدم ما يمكن أن يكون اقتراحات، تقبل أو ترفض.
الكاتب الأصيل، أو المتمكن مثل البولندية أولجا، وأظن كثيرين غيرها، لكن لم يصرحوا بعلاقتهم بالذكاء الاصطناعي، ينبغي أن لا يسألوا عن هذه الأشياء، أو تثار ضجة حول أي حديث يدلون به، فالذين يقرؤون لا شك، قرأوا قبل أن يظهر الذكاء الاصطناعي بزمن طويل، نوبل منحت لأولجا قبل ذلك، ومنحت لأن كتابتها أصيلة، وما زالت أصيلة، لأنها استخدمت أداة مساعدة كما ذكرت، ولم تضع ساقا على ساق، وتسخر الذكاء الاصطناعي لكتابة روايتها بالكامل.
أخيرا لا أريد أن أهون من خطورة الذكاء الاصطناعي، وإغرائه للكثيرين من عديمي الخبرة باستغلاله للكتابة، ويمكنه أن يكتب، ونحن نقول، إن كتابته ليست بذات طعم، لكن قد يأتي من يخترع الطعم ويتذوقه من الأجيال الجديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك