وضع الجميع أيديهم على قلوبهم بعد تكرار ترامب، للمرة الثالثة، طلبه بشأن تدخل عسكري سوري في لبنان للمساعدة على نزع سلاح حزب الله.
ونقصد بالجميع سوريين ولبنانيين وعربا وآخرين، وكل من عاصر التدخل السوري المشؤوم في لبنان، إبان حربه الأهلية، في العام 1976، وما أدى إليه من «استقرار» هش بثمن باهظ تمثل في هيمنة نظام الأسد على لبنان بكل تفاعلاته الداخلية وسياسته الخارجية التي صادرها أيضاً فلم يبق من سيادة الدولة اللبنانية إلا اسمها.
ولكن مع ذلك من المحتمل أن نترحم على ذلك التدخل القديم إذا ما وقع الجديد المقترح، لأن من شأن وقوعه فتح أبواب جحيم صراعات طائفية جديدة، في لبنان وسوريا، بحيث تبدو معها الحرب الأهلية اللبنانية مجرد بروفا صغيرة.
وإذا كان أول ما يتبادر إلى الذهن، وفقاً لهذا الاحتمال المشؤوم، هو صراع سني – شيعي، فلن يقتصر الأمر عليه بالنظر إلى ما يجري في سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وفي لبنان منذ «طوفان الأقصى» من انقسامات عمودية في المجتمعين وضمور الدولة المزمن في لبنان وفشل بنائها في سوريا.
طوائف دينية ومذهبية ومجموعات اثنية وتيارات سياسية يكاد لا يجمع بينها شيء غير الاضطرار للعيش في إطار واحد يضيق بها وتضيق به.
الجميع كذلك شعر بشيء من الاطمئنان الهش لأن أحمد الشرع كرر عدم رغبته في التورط في الصراع ضد حزب الله، وسبب هشاشته أن يترك الأمر لرغبة رجل واحد لا يملك أحد أي ضمانات لعدم تغييره هذه الرغبة، وبخاصة أن ما يدور بينه وبين قادة الدول ودبلوماسييها يبقى طي الكتمان، فلا نعرف أي حوافز تقدم له لتغيير رأيه أو أي تهديدات يتعرض لها.
صحيح أن «كلام ترامب» لا يحمله أحد عادةً على محمل الجد، ولكن لا ضمانة لدى أحد أيضاً ألا يتحول هذا الكلام إلى قرارات تؤسس لكوارث شهدنا عدداً منها خلال أقل من سنتين من عودته إلى البيت الأبيض.
كل بعيداً عن تصريحات ترامب وممثليه من مبعوثين دوليين، إقليمنا يواجه أوضاعاً خطرة فعلاً من المؤسف أننا نتعامل معها كما لو كانت كوارث طبيعيةوعلى أي حال يكفي أن كلامه بشأن تدخل سوري لنزع سلاح حزب الله، بديلاً عن إسرائيل التي فشلت في ذلك – بحسب ترامب – قد أثار الكثير من الجدل والمخاوف فأصبح من موضوعات الساعة.
وهذا بذاته أمر خطير يثير ويحفّز الاستقطابات الحادة القائمة سلفاً وقد تشكل أي «حادثة منفردة» سبباً لاندلاع شرارة ما لا يحمد عقباه وما تصعب السيطرة عليه.
الغريب أن كلاماً آخر لترامب، في السياق ذاته، لم يحظ باهتمام مماثل، حين كرر امتداحه للشرع الذي «يقوم بعمل عظيم» في لملمة التفكك السوري، حسب رأيه، ليقول إنه هو من «وضع الشرع في السلطة»! من المخجل حقاً ألا يصدر عن المعني بهذا الكلام أي رد يعبر عن استيائه من هذه الإهانة.
وتجاهل الإعلام الموالي هذا الشطر ليركز على «العمل العظيم» المزعوم المنسوب للرجل.
بعيداً عن تصريحات ترامب وممثليه من مبعوثين دوليين، إقليمنا يواجه أوضاعاً خطرة فعلاً من المؤسف أننا نتعامل معها كما لو كانت كوارث طبيعية ليس بوسعنا أكثر من التكهن بشأنها ومحاولة لملمة تداعياتها بعد وقوعها، وليس كدول فاعلة صاحبة قرار فيما خص مصيرها الذي يرسم وفقاً لأهواء أشخاص كترامب ونتنياهو والقادة الإيرانيين، فيما نغرق نحن في صراعاتنا الداخلية الكامنة أو المتفجرة موضعياً هنا وهناك، ونفشل في بناء دولة في سوريا أو تمكينها في لبنان أو تفعيل قدراتها في الدول القائمة التي لا تملك أي حماية لها من التفكك والانهيار بسبب بنيتها غير السليمة.
ففي سوريا، مثلاً، تصاعدت موجة جديدة من الاحتجاجات المحلية التي لا شيء يجمع بينها غير عدم الرضى، فمنها ما هو مطلبي يتعلق بالأوضاع المعاشية، ومنها ما يتعلق بالمطالبة بالعدالة الانتقالية وملاحقة مجرمي النظام السابق، ومنها هجمات طائفية جديدة على أحياء تقطنها أكثرية علوية في العاصمة دمشق، وأخرى «بين ديرية ودروز» في منطقة صحنايا في ريف دمشق يتم حلها من قبل «زعامات عشائرية» تورطت سابقاً في صراعات ضد «قسد»… إلخ.
فإذا أضفنا إليها احتجاجات تظلم من قرارات أصدرتها سلطة دمشق بشأن استملاكات أضرت بشرائح من السكان، اكتملت عناصر تفجير جاهزة للاستقرار الهش.
كما أن السلطة «المركزية» فاقدة لأي سيطرة على الفصائل التي بايعتها في «مؤتمر النصر» وعلى عديد المشايخ والدعاة والمحافظين والقادة المحليين الذين يتصرفون ويصدرون قرارات تمس حياة السكان على هواهم.
وفي لبنان عادت الدولة الضامرة إلى مواجهة معضلة عجزها عن تنفيذ قرارها المتعلق بحصرية حق امتلاك السلاح، في الوقت الذي تخوض فيه مفاوضات مع المحتل الإسرائيلي في ظل اختلال فظيع في موازين القوى، وأملها الوحيد أن ينصفها قليلاً الوسيط الأمريكي الذي لا يمكن الركون إليه مهما أظهر ترامب من استياء من حليفه الإسرائيلي.
ويواجه العراق معضلات مشابهة فيما خص الفصائل المسلحة الموالية لإيران بدولة قائمة على توازنات حرجة لم يتمكن العراقيون من تجاوزها على رغم انقضاء أكثر من عقدين على سقوط نظام صدام حسين وسنوات على القضاء على «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
أما دول الخليج والأردن التي مرت بمحنة كبيرة أثناء الحرب الأخيرة ولمست فشل واشنطن في حمايتها من الهجمات الإيرانية، فقد ارتفع منسوب الهواجس الأمنية لديها بعد انتهائها، لأن «مذكرة التفاهم» الموقعة بين واشنطن وطهران تثير مخاوفهم أكثر مما تطمئنهم.
كل الخشية أن تكون نهاية الحرب على إيران، بالطريقة التي انتهت بها، بداية خضات محلية وعابرة للحدود في إقليم يراد إعادة تشكيله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك