في خمسينيات القرن الماضي، جلب أحد الهواة مجموعة صغيرة لا تتجاوز 10 سحليات من السحلية الجدارية الشائعة، والمعروفة علميا باسم" بودارسيس موراليس"، من منطقة بحيرة غاردا في شمال إيطاليا، وأطلقها في مدينة سينسيناتي الأمريكية.
واجهت هذه السحالي تحديا كبيرا.
فعندما يتأسس مجتمع جديد من قلة قليلة من الأفراد، يمر هذا المجتمع بعنق زجاجة جيني.
إذ يتوقع العلماء أن يتسبب التزاوج المستمر بين الأفراد المتقاربين جينيا في تراكم طفرات وراثية ضارة، مما يؤدي إلى تدهور الصحة العامة والقدرة على البقاء، إلا أن ذلك لم يحدث.
في دراسة حديثة نشرت في دورية" موليكيولار إيكولوجي"، كشفت مجموعة بحثية عن الأسرار الجينية التي سمحت لهذه المجموعة من السحالي بالنجاة من أزمة جينية خانقة والتكيف ببراعة مع موطنها الجديد في مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو الأمريكية.
ويقول إيريك غانغلوف، من قسم علوم الأحياء في جامعة أوهايو ويزليان في ديلاوير الأمريكية، وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: " يبدو أن العوامل البيئية والديموغرافية لعبت أدوارا مهمة؛ فقد وجدت السحالي نفسها في بيئة جديدة مواتية للغاية لبقائها وتكاثرها، فاستغلت تلك الظروف.
"جمع باحثون عينات من الحمض النووي لأربع مجموعات مختلفة من السحالي لمقارنتها ورصد التغيرات التاريخية.
شملت هذه المجموعات السحالي الأصلية في إيطاليا، ومجموعتين من مدينة سينسيناتي تم جمعهما في عامي 2007 و2022، بالإضافة إلى مجموعة رابعة تأسست حديثا في مدينة كولومبوس بولاية أوهايو في عام 2021.
استخدم الفريق تقنية متطورة لقراءة كامل شفرة الحمض النووي، فأتاحت للعلماء فرصة ذهبية لمقارنة التغيرات الجينية بدقة.
وهنا يبرز دور مجموعة كولومبوس الحديثة كدليل حي يربط الماضي بالحاضر.
يقول إيريك: " في غياب عينات من الأفراد المؤسسين الفعليين أو من الأجيال الأولى التي تلت عملية الدخول، لا يمكننا تقييم حجم التنوع الجيني الذي ربما فُقد أو أُعيد تشكيله خلال السنوات الأولى للغزو الحيوي بشكل مباشر.
ومع ذلك، فإننا نعالج هذا القصور من خلال تحليل عينات من مجموعة سكانية تأسست حديثا في كولومبوس، والتي نفترض أنها تحاكي العمليات التي صاحبت حدث التأسيس الأصلي في سينسيناتي.
"يشير إيريك إلى أنه برغم غياب معرفة حجم المجموعة المؤسسة، إلا أن الخصائص الجينية لهذه المجموعة تُظهر المستويات المتوقعة من زواج الأقارب الوثيق، وارتفاع تراكم الطفرات، والتمايز الجيني عن المجموعة المصدر، وأدنى مستويات التنوع على مستوى الجينوم مقارنة بالمجموعات الأخرى التي شملتها الدراسة.
تظهر الدراسة أن نجاح السحالي استند إلى ثلاثة دروع أساسية تكاملت معا لتحميها وتمكنها من البقاء والتكيف.
الدرع الأول هو التكيف البيئي المسبق؛ فقبل أن تبدأ الجينات في التغير والتكيف الوراثي، كان للتوافق البيئي دور مساعد.
يشرح إيريك: " عاشت أنواع السحالي الجدارية تلك في مناطق أوروبية ذات طابع حضري كثيف وتأثير بشري كبير لمئات وربما آلاف السنين.
لذا، لا نعتقد أن البيئات الحضرية تُعد جديدة كليا بالنسبة لهذه الأنواع بشكل عام.
" أي أن البيئة الحضرية في مدينة سينسيناتي، المليئة بالجدران الحجرية القديمة والحدائق والمباني، تحاكي إلى حد كبير البيئة الصخرية والأسطح الصلبة التي تفضلها هذه السحالي في موطنها الأصلي بإيطاليا.
هذا التوافق قلل بشكل كبير من وطأة الصدمة الأولى للعيش في بيئة جديدة، ووفر للسحالي ملاذات آمنة من المفترسات ومصادر وفيرة للغذاء، مما سمح لها بتركيز طاقتها الحيوية على الاستقرار والتكاثر السريع بدلا من استنزافها في محاولات شاقة لمواجهة تضاريس غريبة كليا.
الدرع الثاني يكمن في النمو العددي السريع كمخرج من الفناء الوراثي، إذ أظهرت نتائج التحليلات الجينية أن مجموعة سحالي سينسيناتي مرت بالفعل بفترة ضيق جيني شديد في البداية، لكنها تمكنت من الإفلات سريعا بفضل النمو السكاني السريع ومعدل التكاثر العالي.
تتميز السحالي الجدارية بقصر وقت جيلها وقدرتها على التكاثر السريع، حيث تنضج جنسيا في عامها الثاني.
أما الدرع الثالث الأكثر غرابة فكان رصد تكيفات جينية مكنت السحالي من تحمل التسمم بالمعادن الثقيلة، وعلى رأسها عنصر الرصاص السام.
تعيش السحالي في مدينة سينسيناتي في بيئات حضرية ترتفع فيها نسب التلوث بمعدن الرصاص السام مقارنة بموطنها الريفي الأصلي في إيطاليا.
وأظهرت نتائج الدراسة أن الانتخاب الطبيعي قد فضل بمرور العقود الأفراد الذين يمتلكون طفرات جينية تتيح لهم مقاومة التسمم من خلال آليات عزل فسيولوجي لهذه السموم الثقيلة لحماية خلاياهم وجهازهم العصبي من التلف، مما سمح لهم بالركض والحركة بكفاءة وتوازن مثاليين رغم وجود مستويات عالية من الرصاص في دمائها قد تكون مميتة لكائنات أخرى كثيرة.
يوضح إيريك: " لقد حددنا بالفعل مؤشرات محتملة لعملية الانتخاب أو الانتقاء الطبيعي في جينات قد تكون ضالعة في الوظائف العصبية، لكن النتائج الوظيفية لهذا الانتخاب لا تزال بحاجة إلى اختبار.
من الممكن أن يشكّل هذا الانتخاب السلوك في بيئات جديدة، وهي المدن في هذه الحالة.
"تقدم هذه الدراسة البيولوجية نموذجا فريدا لمرونة الحياة وقدرتها على تخطي العقبات البيئية الصعبة، وتفتح آفاقا جديدة لفهم كيفية استجابة الكائنات الحية للضغوط البيئية الحضرية، وتوفر خريطة طريق علمية لدراسة التكيفات المعاصرة في الوقت الحقيقي.
يختتم إيريك: " أعتقد أننا أمام حالة تتلاشى فيها الفوارق بين علم البيئة وعلم الوراثة؛ فالعمليتان متداخلتان للغاية عند هذا النطاق الجغرافي وضمن هذا الإطار الزمني.
لا أود القول إن البيئات الحضرية تحمي هذه السحالي، بل إن هذه البيئات وفرت – بمحض الصدفة – الكثير مما تحتاجه السحالي.
".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك